عالمية

محاكمة كبرى في فرنسا: كيف التحق 23 فردا من عائلة واحدة بمناطق القتال في سوريا؟

مثلت شابة فرنسية تبلغ من العمر 33 سنة أمام محكمة الجنايات في باريس، بتهمة الانضمام إلى تنظيم ‘داعش’ الإرهابي في سوريا، ضمن قضية شملت انتقال 23 فردا من أسرتها إلى مناطق سيطرة التنظيم سنة 2014، بعدما غادروا مدينة روبيه شمال فرنسا، تحت تأثير شقيقها الأكبر الذي تتهمه بممارسة العنف والضغط على أفراد العائلة.

وتواجه ‘راضية’ عقوبة قد تصل إلى 30 سنة سجنا، بتهمة المشاركة في جمعية أشرار ذات أهداف إرهابية، بعدما رحلتها السلطات التركية إلى فرنسا سنة 2021، حيث ظلت رهن الاعتقال في انتظار محاكمتها.

وخلال جلسة المحاكمة، الأربعاء 14 أكتوبر 2026، استعرضت المتهمة الظروف التي سبقت انتقالها إلى سوريا، متحدثة عن الدور الذي لعبه شقيقها ‘فوضيل’ في توجيه قرارات الأسرة، والضغوط التي قالت إنها تعرضت لها قبل مغادرتها الأراضي الفرنسية.

واقعة فريدة

تعود وقائع القضية إلى الفترة الممتدة بين ماي وسبتمبر 2014، عندما غادر 23 شخصا من عائلة والدها الطاهر مدينة روبيه نحو سوريا، بينهم الأبوان وست شقيقات وأزواج وأطفال، في وقت كان تنظيم داعش يوسع سيطرته على مناطق في سوريا والعراق.

ووصف أحد المحققين، خلال المحاكمة، انتقال هذا العدد من أفراد أسرة واحدة إلى مناطق سيطرة التنظيم بأنه أمر استثنائي في فرنسا، قائلا: “إنه أمر غير مألوف إلى حد كبير، وواقعة تكاد تكون فريدة من نوعها في فرنسا”.

شقيق متسلط وتحولات نحو التطرف

قالت راضية سلمى أمام المحكمة إن شقيقها فوضيل كان صاحب السلطة الفعلية داخل الأسرة، ويتخذ معظم القرارات المتعلقة بحياة شقيقاته، في ظل ما وصفته بضعف دور والدهما، الذي كان يعاني مشكلات مرتبطة باستهلاك الكحول ويمارس العنف ضد زوجته.

وأضافت أن فوضيل أصبح بمنزلة الأب البديل داخل المنزل، وفرض رقابة صارمة على شقيقاته، شملت لباسهن وتحركاتهن اليومية، وكانت سلطته تتزايد مع تطور قناعاته الدينية المتشددة.

وقالت المتهمة، في وصفها للعلاقات داخل الأسرة: “في ذلك الوقت لم أكن أرى الأمور بهذه الطريقة، لكننا كنا نعيش داخل عشيرة، أشبه بطائفة مغلقة”.

وروت أن شقيقها كان يفتش ملابسها قبل ذهابها إلى المدرسة وعند عودتها، للتأكد من عدم تغيير لباسها أو استعمال مستحضرات التجميل، مشيرة إلى أن سلوكه أصبح أكثر تشددا بعد خروجه من السجن سنة 2010 وتأثره بأفكار جهادية إثر تعرفه إلى شخص بلجيكي مرتبط بهذا التيار.

وأوضحت راضية سلمى أنها نشأت داخل أسرة من أصول جزائرية تضم ثماني شقيقات وشقيقا واحدا، وكانت تطمح إلى العمل في التمريض أو المحاماة أو الصحافة، قبل أن تحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب وتلتحق بدراسة القانون في الجامعة.
وأكدت المتهمة أنها لا تسعى إلى التنصل من مسؤوليتها عن أفعالها، لكنها اعتبرت أن ظروف نشأتها أثرت في اختياراتها، فيما أشار رئيس المحكمة إلى ضرورة استحضار السياق العائلي خلال مناقشة القضية.

النقاب والزواج والسفر إلى سوريا

كشفت جلسة المحاكمة أن راضية سلمى تزوجت دينيا سنة 2012 من رجل يدعى ياسين، يتبنى الفكر المتطرف، موضحة أنها كانت تبحث من خلال الزواج عن وسيلة للابتعاد عن سيطرة شقيقها.
وقالت أمام المحكمة: “كنت أريد فقط الهروب من شقيقي”، قبل أن تنفصل عن زوجها سنة 2013، الذي كان يعارض الجهاد المسلح.

وخلال هذه المرحلة، بدأت ارتداء النقاب بصورة منتظمة، ما أدى إلى توقيفها 14 مرة بمدينة روبيه بين أفريل 2013 وجانفي 2014، بسبب مخالفة القانون الفرنسي الذي يمنع تغطية الوجه في الأماكن العامة، واصفة ارتداءه آنذاك بأنه شكل من أشكال التمرد.

وفي ماي 2014، غادرت فرنسا نحو سوريا رفقة إحدى شقيقاتها وزوجة شقيقها وأطفال من الأسرة، مؤكدة أن قرار السفر جاء تحت ضغط متواصل من فوضيل.

غير أن أحد المحققين، الذي استمعت إليه المحكمة الأربعاء، اعتبر أن تشدد راضية سلمى ازداد بعد وصولها إلى مناطق سيطرة داعش، مشيرا إلى أنها أصبحت تتبنى “رؤية للإسلام أكثر تطرفا من رؤية تنظيم الدولة الإسلامية نفسه”.
وأنجبت المتهمة طفلين من مقاتل خلال وجودها في سوريا، يبلغان حاليا 11 و9 سنوات، وقد وضعتهما السلطات الفرنسية تحت رعاية مصالح حماية الطفولة.

عائلة بين السجون ومناطق النزاع

يوجد فوضيل، شقيق المتهمة، داخل أحد السجون العراقية، بعدما صدر بحقه حكم بالإعدام سنة 2019، قبل تخفيف العقوبة لاحقا إلى السجن المؤبد.

وكانت شقيقتان لراضية سلمى، لم تغادرا فرنسا نحو سوريا، قد أدينتا سنة 2019 بتهمة تمويل الإرهاب، فيما توفيت والدتها وإحدى شقيقاتها وأربعة من أصهار العائلة خلال وجودهم في مناطق النزاع.
وتشير المعطيات المتداولة خلال المحاكمة إلى احتمال استمرار احتجاز أفراد آخرين من الأسرة داخل مخيمات خاضعة لسيطرة القوات الكردية في سوريا.
وتستمر جلسات محاكمة راضية أمام محكمة الجنايات في باريس إلى غاية اليوم الجمعة 16 أكتوبر الجاري، حيث تنظر المحكمة في التهم الموجهة إليها وظروف التحاقها بالتنظيم خلال وجودها في سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى