صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: مخاطر انحدار الثقافة العلمية في زمن القبول بالمريح من المعرفة الزائفة..

slama
كتب: نوفل سلامة

في هذا العالم المضطرب الذي نعيشه والزمن المحاصر من كل جانب بكم كبير من المعرفة الزائفة وبنوعية من الثقافة المخادعة، وهذا الواقع المشوّش المحكوم بمنظومات حكم تبيع الوهم وتشيع الكذب والتحايل ويصدقها الناس ويدافع عنها جانب كبير من الشعوب..

يُطرح السؤال الحرج لو يُخيّر المرء بين أن يكون سعيدا وبين أن يكون واعيا بواقعه وتتوفر له المعرفة الحقيقية عن هذا الواقع، فماذا يختار؟
خاصة إذا علمنا أن هناك الكثير من الحقائق المقلقة المربكة والكثير من الأوهام والزيف والخداع المريح؟

السعادة أم الحقيقة؟

لو خُيًّر الانسان المعاصر في ظل هذا النظام العالمي الذي يحكم العالم وهذه المؤسسات العالمية المتحكمة في كل شيء، وفي مصير البشرية وتقود الوعي وتوجه الأفكار وتصنع الرأي العام بإعلامها ومالها واقتصادها وأنظمة التعليم التي تفرضها على الشعوب وتبناها سكان عالم الجنوب عن وعي أحيانا ودون إرادة منهم أحيانا أخرى، لو كان الخيار بين الحصول على الحقيقة أو السعادة فإن المنطق يقول والعقل السليم يذهب نحو اختيار الحقيقة دون تردد..
حتى وإن كانت مقلقة ومربكة فهي وفق المعادلة العقلانية أفضل من سعادة خادعة واهمة، لكن رغم ذلك ورغم صحة هذا التفكير ومعقولية هذا الاختيار فإن جانبا كبيرا من هذا الانسان المعاصر وخاصة الأفراد الذين يعيشون في بلدان عالم الجنوب يختارون أن يكونوا سعداء حتى وإن كانت سعادتهم وهمية، ويفضلون الخداع والعيش في ظل معرفة مُزيّفة بدل أن تتوفر لهم المعرفة العلمية حول حقيقة وضعهم فالإشكال الحاصل أن جزءا كبيرا من هذه الشعوب تفضل أن تكون لها معرفة زائفة ولكنها توفر لها وتمنحها حالة نفسية مطمئنة تجعلها تشعر بسعادة مُتخيلة ولا تحبّذ الحصول على معرفة حقيقية و معلومات ومعطيات صحيحة قد تقلقها وتخرجها من وضعية الراحة والاطمئنان المزيّفة…

بيع السعادة الوهمية؟

خطورة هذا الوضع الذي عليه الكثير من الشعوب حول العالم والكثير من الأفراد في هذا السياق التاريخي أن جُلّ الحكومات وجل أنظمة الحكم يرضيها أن تختار شعوبها الوهم على الحقيقة والسعادة الزائفة على الحياة الحقيقية، وتكشف أن السلط السياسية تتعامل مع شعوبها على أنها مجرد كتل من الأفراد المرضى النفسيين لا يصلح بهم ومعهم إلا نوع من الترياق الواهم ونوع من الدواء والعلاج الخادع ولا يصلح معهم الا الخطاب السياسي والإعلامي الذي يحقق لهم الفرح والسعادة الواهمة ما يمكنها من تجاوز صعوباتها النفسية…
فالحكومات وفق هذه النظرة للشعب وللإنسان تبيع السعادة الزائفة والفرح الواهم والراحة المتخيلة رغم أن الطب النفسي يعتبر أن العلاج النفساني ليس من مهامه صنع السعادة أو أن يجعل المرء سعيدا وانما مهمته أن يساعد الفرد على معرفة كيف يتعايش نفسيا مع وضعه العادي، حتى وإن كان صعبا وكيف يفهم حقيقة ظروفه بالرغم من كون هذا الوعي لا يحقق له السعادة التي يطلبها.
المصاعب الحقيقية التي أنتجت هذا الواقع الذي نجد فيه الفرد يقبل بالوهم ويدافع عن معرفة زائفة، ولا يرضى بالحقائق العلمية و بالمعطيات والأرقام الواقعية وبالمعلومات الثابتة التي تحقق الوعي الحقيقي لا الزائف و توصل إلى حالة من الفهم الصحيح للواقع وتبتعد بالفرد على أن يبقى متحكما فيه من وراء سعادة وفرح كاذب وخادع، المصاعب الحقيقية لكل هذا الواقع الرديء يكمن فيما نشهده من انحدار كامل للثقافة العلمية وغياب كلي للروح والتفكير العقلاني لدى معظم الشباب وعامة الناس وانحسار الوعي النقدي لدى الجماهير.

القبول بالزيف

لقد بات واضحا اليوم أن غياب حاسة النقد والروح العلمية والاعتماد على العقل وعدم توفر المقدمات والمرتكزات العلمية والتكوين العلمي هو من كان وراء جعل الشعوب تميل إلى القبول بالزيف على تبني الحقيقة وترضى بالخطاب الذي يوفر لها الراحة النفسية المتخيلة على الحصول على معرفة علمية حقيقية تعري واقعها وتكشف حالها.
فإذا لم يتوفر عند هذه الشعوب الأدوات المعرفية اللازمة للتمييز بين ما هو زائف وما هو حقيقي والقدرة على الفصل بين المعرفة العلمية الثابتة والمعلومات المتحايلة الخادعة والفرق بين الخبر الزائف والخبر الحقيقي فإن النتيجة التي نحصل عليها هي صناعة شعوب ورأي عام يقبل بكل شيء من أجل راحة نفسية واهمة ويرفض بشدة من يحاول افهامه أن واقعه وحاله مختلف عما توهمه.

المطلوب إصلاح شامل

إن إصلاح هذا الخلل الموجود في البنية العقلية والذهنية لهذه الشعوب التي تعيش على وقع محاصرة تامة ودائمة بكم كبير من المعلومات المضللة يبدأ من القاعدة ومن خلال إصلاح شامل وكامل لمنظومة التربية والتعليم ومراجعة كلية لبرامج التدريس ونوعية الدروس المقدمة، فنحن اليوم في عالم لم نختره و في عالم يسبح فيه كم كبير من المعلومات التي لا نملك حيالها القدرة على التمييز بين الصحيح والزائف إلا بثقافة علمية وبروح نقدية وبوعي يقدم الشك على اليقين..

سيل من المعلومات الزائفة

اليوم هناك أشخاص كُثر في هذا العالم يصنعون ويختلقون يوميا كما كبيرا من المعلومات الزائفة، ولكنها رائعة ومحببة لدى الجمهور وينشرون معطيات وأرقام مهمة ومقبولة في الظاهر .. اليوم كشفت الحرب الإيرانية أن ما يقارب 50 % من الفيديوهات التي تتحدث عن هذه الحرب مفبركة وزائفة ومُختلقة من قبل الذكاء الاصطناعي تم تقديمها بطريقة تجعل المشاهد يقبل بها بكل سهولة ويُصدقها بكل يسر، ولا يشك فيها فكيف يمكن أن نتعامل مع هذا الواقع المبني على كم كبير من الزيف والتحايل الذي ينتج وعيا مزيفا وشعوبا ترضى بالسعادة المتوهمة على الحقيقة المقلقة؟

ما العمل؟

ما العمل إزاء هذا السياق العالمي الذي تتحكم فيه المعلومات المُختلقة والمصطنعة التي توجه الشعوب وتتحكم في العقول؟ ما العمل وابناؤنا مقبلون على مستقبل مشوش وعالم لا يُمكن لهم فيه أن يتعرّفوا ويتبيّنوا أن الذي يشاهدونه ويسمعونه ويقرؤونه خاطئ ومفبرك وزائف ومُختلق..
وهنا تأتي الحاجة الماسة إلى التعليم العقلاني الذي يصنع الوعي الحقيقي والثقافة الحقيقية والفهم الحقيقي بأدوات معرفة نقدية وتعليم يُمكّن من معرفة كيف يتعامل الفرد مع كل المعلومات المفبركة والمعطيات المُختلقة والأرقام الزائفة ويبني ملكة الشك والنقد عند الناشئة ومنذ البدء تُبعدهم عن وضعية وحالة القبول المطلق بكل ما يقال من حولهم وينشر أمامهم ثقافة علمية صلبة وكافية لجعل المواطن قادرا على الفهم والنقاش والحوار لكل ما يدور في هذا العالم من أفكار ومعلومات وصور تحاول أن تتحكم فيه وتوجهه الوجهة التي تجعله يقبل بوضع السعادة الزائفة على الحصول على الحقيقة التي تُعرّفه بتفاصيل واقعه الأليم…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى