عيسى البكوش يكتب/ منجي الشملي (1931-2016)..أحد روّاد الثقافة التونسيّة


كتب: عيسى البكوش
هو أحد كبرائنا في الجامعة وفي المجتمع.
هو إحدى مناراتنا داخل الوطن وخارجه.
هو أحد روّاد الثقافة التونسية، حقّ للأجيال أن تباهي به اليوم وغدا..
هو منجي الشملي المولود يوم 5 أوت 1931 بمدينة قصر هلال حيث زاول تعليمه الابتدائي ثمّ تعليمه الثانوي بالمعهد الصادقي.
‘صادقيّ بالكامل’
تحدّث عن هاته الفترة فقال:
“كنت في الصادقية بصفة مقيم رغم أنّ والدي يقطن بالعاصمة، قال لي أريدك أن تكون صادقيّا بالكامل. كان التعليم جدّيا إلى أقصى حدود الجديّة، وكنّا مطالبين بإتقان أربع لغات: العربيّة والفرنسية واللاتينية والإنقليزية”.
ثمّ يمّم شطره إثر تحصّله على شهادة الباكالوريا نحو الديار الفرنساوية فالتحق بجامعة Bordeaux و Lyon ثمّ بأمّ الجامعات “السوربون” حيث تخرّج سنة 1959 إثر نجاحه في مناظرة التبريز في اللغة والآداب العربيّة.
عودة إلى تونس
عاد في نفس السنة إلى أرض الوطن ليباشر التدريس بالمعهد العلوي ثمّ المعهد الصادقي ومعهد البنات بنهج الباشا، والتحق مثل كلّ المبرّزين الأوائل برحاب الجامعة الناشئة لتمرير علمه إلى الأجيال باعتبار إدارته لدار المعلمين العليا بين سنتي 1968 و1970 ثمّ المعهد الوطني لعلوم التربية بين سنتي 1976 و 1984.
أدار مجلّة ‘الحوليّات التونسيّة’ من سنة 1985 إلى سنة 1996، كما أدار اللجنة الوطنية للتربية والعلوم والثقافة لسنوات عديدة ممّا أهّله لأعلى المراتب في المنظمّة الدولية ‘اليونسكو’ حيث انتخب سنة 1991 من بين أعضاء مجلسها التنفيذي وهو شرف لم ينله إلا القليل من روّاد الثقافة. ولقد صال في هذا المحفل وطبقت شهرته الآفاق.
ولقد سارعت الجامعات لاستنجابه للتدريس في مدارجها، وكان يقضّي الأيّام والأسابيع وهو يلقّن طلبة القارّة العجوز وفي شمال إفريقيا، وكان من قبل ذلك وهو في ريعان شبابه يُدرّس في أحد أعتى المعاهد بباريس Louis le grand .
أمّا في تونس فلقد أشرف على أكثر من مائة أطروحة وبحث..
يقول أحد تلاميذه فؤاد القرقوري متحدّثا عن ‘ندوة السبت’ وما أدراك ما ندوة السبت: ‘هي ندوة أسبوعيّة كان الشيخ يعقدها بانتظام على امتداد سنوات طوال ويستقبل فيها طلبته الباحثين وسائر مريديه وأصحابه. يبدأها في الضحى عادة ولا يفرغ منها إلا وقد تقدّم الأصيل في مكتبه بالطابق الثاني من كليّة 9 أفريل’…
(الصريح 17 نوفمبر 2016)
مثقّف عضوي
هو رجل من طينة المثقفين العضويين حسب عبارة الفيلسوف الإيطالي Gramsci فلقد انخرط في النضال النقابي والاجتماعي إذ أنّه شارك في تأسيس نقابة أساتذة التعليم الثانوي ثمّ نقابة أساتذة التعليم العالي، وكذلك الشأن بالنسبة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات، وكان أحد أعضاء هيئتها المديرة من سنة 1979 إلى سنة 1983.
ومن أجلّ منجزه الثقافي هو بدون شكّ البرنامج الإذاعي ‘مع الأدباء الشبّان’ والذي أثمر جمهورا من الأدباء المكتملين، وكانت تعاضده الأديبة هند عزّوز ثمّ الإعلاميّة مفيدة زهاق وذلك على امتداد ثلاثين عاما.
أمّا عن مؤلفاته فهي كثيرة ولعلّ من أبرزها كتاب يعدّ مرجعا للمتابعين للشأن الثقافي في بلدنا: “في الثقافة التونسيّة” الصادر عن دار الغرب الإسلامي بيروت سنة 1984.
كما أنّ له عدّة ترجمات منها ترجمة رائعة لشعر أبي القاسم الشابي.
تكريم واعتراف
لقد تشرّفنا بتكريمه في منتزه الشعر بروّاد في دورته الأولى يوم غرّة ماي 2004 وتوجّهت إليه فقلت: ‘إنّي لا أتوانى في خدش تواضع من اهتدينا إلى تكريمه وأجزم أنّ منجي الشملي قامة باسقة وقمّة شاهقة تنبع منها عيون صافية يتدفّق منها ماء فرات يرتوي منه اليوم وغدا عشّاق اللغة والمتيّمون بالأدب’.
ثمّ أضفت: ‘ونحن إن ننسى فلن ننسى أنّنا ونحن تلاميذ بالمدرسة الصادقية في بداية الستّينات كنّا نترقّب بشوق صدور المجلّة الحدث ‘التجديد’ لكي ننهل من المناهج الحديثة للمعرفة ومن المسالك المجدّدة للكتابة التي كنت تخطّها بمعيّة الروّاد صالح القرمادي والشاذلي الفيتوري وتوفيق بكار وعبد القادر المهيري’.
لقد كتب الشملي في العدد الأوّل للمجلّة ـ فيفري 1961:
‘نحن نعتبر هذه المجلّة ندوة يلتقي فيها جميع الذين تخلّصوا من الصلف الفكري فآمنوا بأنّ الفكر بحث عن الحقيقة مستمرّ’..
ويضيف: ‘الفكر يخمد فيجمد فيضمحلّ إن هو أصيب بالكبت وحاق به الضغط’.
أدركته المنيّة يوم 13 سبتمبر 2016 ودفن رحمه الله من الغد بمقبرة الجلاّز.
شهادات عن الراحل
وبعد عشر سنوات من رحيل الرجل صدر أخيرا عن بيت الحكمة كتاب جماعي من ألف صفحة يحمل شهادات أترابه وتلاميذه بإشراف الأستاذ عمر مقداد الجمني يحمل عنوانا جامعا: “في الأدب المقارن والنقد الأدبي والترجمة”: ” Mélanges de littérature comparée, de critique littéraire et de traductologie ” .




