يوسف الرمادي يكتب: لماذا أرادت فرنسا التخلّص من الحبيب بورقيبة؟


كتب: يوسف الرمادي
كثيرون هم الذين في العديد من المناسبات جعلوا من بورقيبة ‘صديقا’ لفرنسا واتهموه بالتواطؤ معها لنيل الاستقلال على مراحل، وأنّ صالح بن يوسف كان على حقّ عندما لم يقبل الاستقلال الداخلي…
إلى غير ذلك من الادّعاءات التي ليست مبنيّة إلّا على ميولات شخصيّة وانتماءات سياسيّة تجعل البعض منهم يكيل لبورقيبة جزافا كلّ أنواع الخيانة بلا حجّة ولا دليل، وهذا راجع إلى أنّنا -نحن التوانسة- لا نقرأ وقد تكون المعلومة بين أيدينا وتحت أبصارنا لكنّنا نتعامى عنها ولا نقرأها ونجد لذّة لا توصف في الإساءة لبورقيبة خاصة بدون دليل ولا حتّى منطق يمكن أن يجيز هذه الادّعاءات الباطلة، رغم أنّ أغلبنا يعرف أنّ الرئيس الراحل قضّى أكثر من ثلاثين سنة بين السجون والإبعاد والغربة لكن هذا لم ينفعه مع الذين يعملون بقاعدة ‘قاتلك …قاتلك’..
وقد تضمنت مراسلة في كتاب الباهي لدغم الذي عنوانه: ‘مراسلات الفترة الحاسمة 1952-1954’ دليلا قاطعا ولا يمكن التشكيك فيه، خاصة وأنّ الباهي لدغم عُرف بصدقه وأمانته، هي تدلّ على العداوة التي كانت بين فرنسا وبورقيبة سأورد فقرة من رسالة لمحمّد المصمودي -في السنوات الحاسمة(1952-1954)- أرسل بها للباهي لدغم من باريس ليعلمه فيها بالأوضاع المتعلّقة بالقضيّة التونسيّة ومواقف الفرنسييّن من حكومة أحزاب ونواب ووزراء ومقيمين عامين منها..
وليعلمه كذلك بالأوضاع في تونس بين المقيم العام والباي والشعب والحكومات التي يريد أن يمرّرها المقيم العام لخدمة مصالح فرنسا والتي بتحريض من الزعماء يقف الشعب ضدّها لإسقاطها…
رسالة المصمودي
لقد جاء في رسالة المصمودي في 12 ماي 1952 والذي ضمّنها الباهي لدغم في كتابه”مراسلات 1952-1954 السنوات الحاسمة ما يلي: …أعلمنا (يتحدّث عن برلماني فرنسي زار تونس في تلك الفترة) أن بورقيبة كان مريضا وهو يُعامل كأي موقوف للحقّ العام.. وهو كذلك الذي قال لنا أنّ “ديهوتكلوك” قد رفض -بلياقة- الترخيص له برؤية سي الحبيب وأفهمه أنّ هذا يعتبر فقدان للشرف لبرلماني ونائب أمّة فرنسي أن يتحادث مع معادي شرس للفرنسيّين وعدوّ يداه ملطّختان بالدم. ولأنّ “فرديّ”(البرلماني) ألحّ على ملاقاته رغم هذا، وفي الأخير تنازل “ديهوتيكلوك” بعد أن أكّد لـ”فردي” أنّ المشكل التونسي بالنسبة له بسيط جدّا إن أرادتْ الحكومة الفرنسيّة أن تأخذ إجراءات لا رجعة فيها ضدّ بورقيبة… يجب التخلّص منه بطريقة أو بأخرى فإمّا بنفّيه بعيدا جدّا أو بمحاكمته وتسليط عقاب شديد عليه، وعندها سيحلّ المشكل من تلقاء نفسه، ويكون للفرنسييّن السلم وإلى الأبد….
بل أكثر من هذا رفاقه التونسيون هم الأوائل الذين سيصيحون “أراحنا الله”…
لماذا أرادت فرنسا التخلص منه؟
والآن أسأل لماذا تريد فرنسا أن تتخلّص من ‘العميل’ بورقيبة ولماذا يعتبر مقيمها العام في تونس أنّ فرنسا ستحصل على السلم إلى الأبد إن هي تخلّصت من بورقيبة بنفيّه أو بتسليط عقوبة شديدة عليه، ويجب أن نفهم من قول المقيم العام “التخلّص منه بطريقة أو بأخرى” اغتياله ولكن لم يقلها للنائب الفرنسي مباشرة..
وأسأل ثانيّة لماذا فرنسا تريد أن تتخلّص من بورقيبة صديقها والذي ‘يكنبن’ معها كما تدّعون للحصول على استقلال منقوص؟ وهل بعد هذا وغيره كثير إن نحن قرأنا المذكّرات والمراسلات التي صدرت في المعركة الحاسمة سنجد أنّ بورقيبة كان حجرة العثرة أمام كلّ الاتّفاقات التي تحرم تونس من حقوقها الكاملة غير المشروطة، لكن الفرق بينه وبين رفاقه من التونسييّّن هو أنّه قاد المعركة بسياسة المراحل، وهنالك من الرفاق الذين لم تقنعهم هذه السياسة أو هم يخشون أن يكون بورقيبة بهذه السياسة التي إن أوصلته لحلّ مع فرنسا سيكون هو صانع الاستقلال وما يتبع ذلك من مكانة لبورقيبة عند التونسييّن…
أي أنّه من المستحيل أن يُنَافس بعد ذلك على الرئاسة وتقرير مصير تونس بعد الاستقلال…
هؤلاء الرفاق الذين قال فيهم المقيم العام الفرنسي والعارف بخلفيات الأوضاع في تونس عندما اقترح التخلّص من بورقيبة: حتّى رفاقه التونسيّين سيقولون “أراحنا الله منه” وهذا ما كان يردّده دائما بورقيبة ونحن لا نريد تصديقه أنّ الخيانات كانت من أقرب الناس إليه…
وبالمناسبة أدعو الشباب التونسي أن لا يقف عند ما يُقال بل عليه أن يرجع للوثائق الأصليّة ليعرف لماذا كانت للزعيم بورقيبة هذه المكانة في نفوس أغلب التونسييّن ولماذا بقيّ وسيبقى ‘عِطْر ذكره الشذيّ’! يفوح على مرّ الأزمنة والعصور.
رحم الله الشاعر أحمد اللغماني الذي قال في بورقيبة: ‘سيّدا عشت سيّدا سوف تبقى’…




