الأمين الشابي يكتب: حديث قهاوي ولكن..


كتب: الأمين الشابي
أحيانا كثيرة تكون المقاهي عبارة عن مركز ‘استعلامات’ وأخبار ومعلومات غزيرة، متناقضة أحيانا ومتجانسة أحيانا أخرى بل وصادقة أحيانا…
لكن البعض من هذه الحكايات و الأحداث التي تروى، إن صدقت، تعكس مدى انخرام القيم وغياب المبادئ والانسلاخ حتّى من صفة الإنسانية. والأهم وأن حديث “القهاوي” يُعد مرجعا للكثير لاستقاء الأخبار الطازجة والحديثة واستقراء الواقع الذي نعيشه بعيدا عن أبواق مواقع التواصل الاجتماعي التي رهنت نفسها لفائدة ذلك الشخص أو تعمل لفائدة ذلك الحزب، أو تلك الفئة أو ذاك القطاع أو ذاك السلك.
وحديث “القهاوي” هو اسم على مسمى يدل على عدم مصداقيته، وهو الحديث في كل شيء، وأحيانا كثيرة، بدون دراية واطلاع. الكل هنا يعتبر نفسه مرجعا ومصدرا للمعلومة. يقارع الخصم ويقدم الأدلة على صحة هذا الخبر أو تلك المعلومة. ولكن – كما شأن المجتمع و الحياة السياسية عموما – يوجد دائما من يعارض ذلك الخبر أو تلك المعلومة و بالتالي يشتد حماس كل طرف استماتة للدفاع على وجهة نظره وصحة ما ذهب إليه..
حكاية محزنة
هذه الشريحة، من متحدثي “القهاوي” عادة ما تكون الأغلبية فيها من فئة المتقاعدين، وفي مختلف المجالات والقطاعات، والذين يجدون متنفسا هاما لهم، فالكل يدلي بدلوه، خاصة في مجال تخصصه والقطاع الذي ينتمي إليه حين كان نشيطا. وبالتالي الكل يدافع على بطولاته ومواقفه دون كلل ولا ملل. وأيضا تروي وقائع حقيقية عاشها ذاك الشخص.
ولكن ما شدّ شخصيا انتباهي، تلك الحكاية الواقعية التي رواها أحد المتقاعدين لجُلاّسه. ومفادها أنّه قصد مستشفى عمومي لإجراء عملية جراحية بسيطة، وذلك بعد أن تدخّل صديق له من أجل تقليص مدة انتظار موعد العملية – والكل يعلم كيف تضبط آجال المواعيد في مستشفياتنا العمومية -. وكان له ذلك. وذهب في الموعد لإجراء الفحوصات الأولية لتلك العملية وهو منشرح باعتبارها أنها ستجعل حدا للأوجاع المؤلمة جدا إلى درجة الإغماء التي تنتابه من حين لآخر.
حدث ما لم يكن بالحسبان
ذهب صاحبنا في الموعد، بحسب روايته، ولكنه اصطدم بطلب غريب من قبل هذا الشخص الوسيط الذي تدخل لفائدته حيث طلب منه دفع ‘مبلغ مالي’ والتأكد هل إجراء العملية ضروري أم لا؟ ويواصل هذا الرجل حديثه لجلاسه بالقول ” استغربت في الأول وسألت هذا الوسيط كيف يكون هذا الفحص بمقابل، والحال أننا في مستشفى عمومي.
وكان ردّ هذا الوسيط ينطبق عليه قولة ” ربّ عذر أقبح من ذنب” حيث علّل ذلك بأن المبلغ لقاء تقريب الموعد لإجراء العملية الجراحية. و عليه، و حسب ما جاء في حديث هذا المريض أنه رفض قطعا تقديم هذا المبلغ – وإن كان زهيدا – وغادر المستشفى حانقا و هو يلعن الوضع الذي وصلت إليه البلاد خاصة في مجالات إنسانية لمؤسساتنا الاستشفائية؟ وآثر أن يتحمّل الأوجاع على أن يتورط في مثل هكذا ممارسات.
ما الحل..؟
الحدث الأهم هو ‘حلب’ المواطن ولو كان بمبلغ زهيد كمثل هذا الذي طلب من الراوي؟ وبالتالي إن كانت الآفة التي تلتهم أوضاعنا وفي كل القطاعات هي آفة الفساد وبكل أشكالها، ولم يبق إلاّ أن يفرضوا رسوما على الهواء الذي نتنفس؟
والسؤال كيف نتصدى جميعا له، وإن كان المصدر في هذه الحادثة، كما ذكرنا هو حديث “قهاوي” ولكنه واقع مستشري في أكثر من قطاع وأكثر من مجال…
هل المراقبة تكفي؟ أم الأهم عدم انخراط المجتمع في مثل هذه الظاهرة ولو على حساب ما يلحقنا من تبعات هذا الرفض؟




