عيسى البكوش يكتب: البشير خريّف (1917-1983): عملاق القصّة في تونس


كتب: عيسى البكوش
‘الدقلة في عراجينها’، “برق الليل”، “بلاّرة”، “حبّك درباني” و”مشموم الفل” هي ليست عناوين لقصص بقدر ما هي جواهر تحلّي جيد المدوّنة القصصيّة التونسيّة الضاربة في التاريخ ابتداء من أولى الروايات في التاريخ الحديث ‘التحوّلات’ لأبوليوس Apulée المتوفي في قرطاجنّة عام 108م.
تلك العناوين صاغها ثمّ أودعها في وجدانه البشير خريّف المولود بمدينة نفطة يوم العاشر من شهر أفريل من عام 1917.
البدايات
يقول عن نفسه في حوار أجراه معه فوزي الزمرلي في نطاق إعداد رسالة دكتوراه عن أعماله القصصية تحت إشراف الأستاذ توفيق بكّار ونوقشت يوم 7 جويلية 1983:
‘الدراسة الابتدائيّة قضّيتها كيف العباد الكلّ في الوقت هذاكة أوّلا في الكتّاب، -كتّاب سيدي البغدادي الواقع بنهج المرّ ورحبة الغنم- مدّة حتّى حفظت حزبين وإلا ثلاثة، ومن بعد المكتب العربي الفرنسي بمدرسة نهج دار الجلد خذيت فيه الشهادة الابتدائية، ومن بعد طلعت للعلوية، وفي العلوية قريت عامين، في العام الثاني قعدت كيما يقولو ‘وقف حمار الشيخ في العقبة’ وقتها كان عمري 16 عاما’.
ولكن شاءت الأقدار وتعلّقت همّة هذا الشاب الذي ينهل من بيئتين: نفطة والحاضرة، لنيل المنا وأخذ الدنيا غلابا.
دخل التعليم
يقول في حوار أجراه مع أحد خلاّنه الأديب عبد الواحد براهم ونشره في العدد الخاص بـ”الحياة الثقافية” عدد جانفي 2018:
‘أنت ابن إبراهيم خريّف الفلاح راعي النخل في بلده المتاجر بثمره في العاصمة، رجل وزّع حياته بين زوجتيه النفطيّة والتونسية فأيّهما أمّك’؟
قال: التونسيّة أمّي من عائلة بن مراد، لذا اختلط في مزاجه حبّ الجريد وهوى تونس.
مدينة تونس هذه التي شابه فيها أباه بانخراطه في ‘سلك’ التجار فكان يبيع في سوق الكبابجية الأقمشة الصوفية والحريرية، وشابه أباه كذلك بالميل إلى الزراعة فدخل عام 1937 المدرسة القطوفية بسمنجة ولكن هنا وقفت حقّا دابّة الشيخ، إذ أنّه تمّت لديه الرغبة في تحصيل العلم والمعرفة فانضمّ إلى طلاّب الخلدونيّة إلى أن تحصّل على شهادة البروفر ثمّ معهد الدراسات العليا حيث تحصّل على شهادة انتهاء الدروس ممّا خوّل له الدخول في سلك التعليم في السند بقفصة أوّلا ثمّ في أريانة فعين دراهم ثمّ أخيرا بمدرسة نهج النفافتة بمدينة تونس، وهكذا قضّى 19 عاما، وقبل أن يُحال على شرف هاته المهنة التي لا تشبه بقيّة المهن إطلاقا فهي رسالة مثلما أشاد بها أمير الشعراء أحمد شوقي.
كان منذ نعومة أظفاره مهووسا بالمطالعة. كانت مطالعاته بالفرنسية وخاصة لمشاهير الكتّاب من أمثال Victor Hugo وHonoré de Balzac وكذلك بالعربيّة بإرشاد والده إبراهيم وأخيه مصطفى، فكان ما ليس منه بدّ أي الكتابة، فمن يقرأ مثل مترجمنا فإنّه يكتب.
تتالى القطر..
وفعلا فقد نشر سنة 1937 أقصوصة “ليلة الوطيّة” في جريدة الدستور لصاحبها شقيقه مصطفى خريّف. ثمّ سكت عن الكلام مدّة ناهزت العقدين، فطلع للنّاس سنة 1958 برواية “حبّك درباني” التي نشرتها الشركة التونسية لفنون الرسم.
ثمّ تتالى القطر فانهمرت “برق الليل” عام 1961 التي صدرت عن دار الجنوب عام 2000 ، و”الدقلة في عراجينها” عام 1969 وصدرت عام 1987 عن دار الجنوب، ثمّ “مشموم الفلّ” عام 1971 التي صدرت عن الدار التونسية، وأخيرا وبعد رحيل الأديب “بلاّرة”عام 1992 وصدرت عن بيت الحكمة، والجدير بالذكر أنّ البعض من هاته الأعمال صدرت مجزّأة بمجلة الفكر التي انتمى لها سي البشير منذ سنة 1958 إلى جانب صفوة من معاصريه: مصطفى خريّف، زين العابدين السنوسي، محمد مزالي وفريد غازي الذي اعتنى بإنتاجات رفيقه وقدّم في شأنها دراسة مستفيضة في مجلّة “Orient” الفرنسيّة.
كما أنّه انضمّ إلى نادي القصّة منذ سنة 1967 إلى جانب أدباء الجيل الأوّل من أمثال الطاهر قيقة ومحمد العروسي المطوي وعبد المجيد عطيّة ومصطفى الفارسي.
وقد نشر في أوّل أعداد “قصص” فصلا من رائعته “الدقلة في عراجينها” ولو أنها لم تحصل على جائزة لمدينة تونس مثلما حصل لروايته “برق الليل”.
يقول الروائي الفلسطيني حسن حميد في السّفر المخصّص للبشير خريّف من قبل اتحاد الكتّاب التونسيين عام 2003: ” الدقلة في عراجينها رواية تنتمي إلى نمط الروايات الأنهار وهي تذكّر بالروايات التي أنتجها دستوفسكي وغوغول”.
أمّا المنعّم جعفر ماجد فإنّه يجزم في مجلة الفكر عدد فيفري 1974 أنّ ” البشير خريّف تبايعه كلّ النزعات وتزكّيه كلّ الأقلام”.
ويثمّن المنعّم صلاح الدين بوجاه فيقول: ” كلّما عدنا إلى “الدقلة في عراجينها” أيقنت أنّها رواية جليلة بل قلت في نفسي دون مبالغة أنها من أفضل الروايات التونسية والعربيّة”.
“الدقلة في عراجينها” هي بحسب رأيي مجموعة متأنقة من الصور الفنيّة التي تكاد تنطق من “هول” ابداعها، وخذ مثلا هذه الصورة المتمثلة في الصنيع الذي أتاه المكّي مع العتراء: “تسكب عليها الماء وهي تضحك، علقت بشحمة أذنيها قطرتا ماء وجعلتا تترقرقان فرأى أجمل اللآلئ”.
تلك صورة مثل ما يقول أبو حيّان التوحيدي في “الإمتاع والمؤانسة”: ” تهزّ الإحساس وتلهب الأنفاس”.
لقد تناول مدوّنة البشير خريّف وما زال عدد من الباحثين الجامعيّين علاوة على من ذكرنا: محمد صالح المراكشي ويوسف بن ساسي والحفناوي الماجري والصديق عبد اللطيف عبيد الذي أعدّ شهادة الكفاءة للبحث العلمي سنة 1971 تحت إشراف المنعّم عبد القادر المهيري.
كما أنّ هذه الآثار وقع تسويقها في الإذاعة من خلال مسلسل “برق الليل” من إعداد محمد حفظي، والسينما من خلال شريط “خليفة الأقرع” من إخراج حمودة بن حليمة وشريط “برق الليل” من إخراج المنعّم علي العبيدي.
وقد تحصّلت هذه الرواية أخيرا على جائزة الترجمة من خلال عمل قيّم أقدمت عليها الأستاذة سلوى قصّاب الشرفي.
أثار جدلا واسعا
طبعا لقد أثار النصّ الخريفي جدلا واسعا في زمانه لأنّه اعتمد في الحوارات اللهجة الدارجة ولكنه دافع عن نفسه فكتب في مجلّة “قصص” عدد جانفي 1986 بل هو يعكس الهجوم: ” يتذرّعون بأنّ الاهتمام بعاميتنا انعزال عن بقيّة العالم العربي، فمَنْ مِنَ العرب لا يفهم ما أشرنا إليه بالعاميّة، فيا أيّها “الفصحاء” أنزلوا قليلا من عليائكم وفرّوا من “التفصيح” فراركم من الأسد”.
ثمّ يأتي زمن ينبري العميد شكري المبخوت خلال الدورة الأخيرة -الرابعة والأربعين- لمعرض الشارقة للكتاب فيقول: ” لم تعد العربيّة الفصحى في الرواية على درجة واحدة بل تعدّدت مستوياتها ودخلت العاميّات واللهجات والدرجات من التعبير الشعبي ليس نكاية في اللغة بل تعبيرا عن تعقّد الواقع”.
استمعوا إلى هذا الحديث الذي دار بمنزل البشير خريّف وهو يستقبل صديقيه المنعّمين فرحات يامون وسمير العيّادي الذي يرويه في “البشير خريّف في عيون النقّاد”:
– ” سي البشبر إنت يظهر فيك عشت في رواياتك؟.
– كان نعيش كلّ القصص اللي كتبتها ماني نولّي قطوس بو سبعة أرواح.
– المكّي وحفّه والعطراء لازم تعرفهم.
– من بعيد لبعيد وإذا موش هوما ناس كيفهم. أنا رجعت برشه مرّات للجريد باش نتخيلهم، سمعت الناس تحكي. وهو راهو موش مهمّ، المهمّ هوما توّا كتاب باش يعيشوا بعدي”.
توقّف قلب هذا العملاق رحمه الله عن النبض يوم 18 ديسمبر سنة 1983 والتحقت روحه ببارئها ” الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا”.




