جهات

العودة المدرسية في تطاوين: الأولياء بين غلاء الأسعار..والتضحية من أجل الأبناء..

مع اقتراب كل موسم دراسي جديد، تعيش آلاف العائلات في تطاوين سباقا من نوع آخر،سباقا لا يتعلق بالنجاح في الامتحانات،بل بالقدرة على توفير أبسط مقومات الدراسة للأبناء.

فبين ارتفاع أسعار الكراريس والكتب والمحافظ والملابس والأدوات المدرسية، يجد الأولياء أنفسهم أمام فاتورة ثقيلة تثقل كاهلهم،خاصة في ظل الظروف المادية الصعبة وارتفاع كلفة المعيشة.

تضحية من أجل الأبناء

ومع ذلك،فإن ما يلفت الانتباه هو أن الكثير من الآباء والأمهات لا يترددون في التضحية من أجل أبنائهم.فقد يتخلى الأب عن بعض حاجياته الأساسية،وقد تؤجل الأم شراء ما تحتاجه، فقط حتى لا يدخل الابن إلى مدرسته ناقص الأدوات أو مثقلا بالشعور بالعجز أمام زملائه.
إنها تضحية صامتة لا تظهر في دفاتر الحسابات، ولا ترويها الأرقام والإحصائيات،لكنها تُكتب كل عام في تفاصيل حياة عائلات بسيطة جعلت من تعليم أبنائها أولوية لا تقبل التأجيل.

التعليم فرصة

ففي تطاوين، يبدو أن الإيمان بالتعليم ما يزال راسخا في وجدان الأسر. فالنجاح الدراسي ليس مجرد شهادة تُعلّق على الجدار،بل هو بالنسبة إلى كثير من العائلات باب للأمل،وطريق نحو مستقبل أفضل، وفرصة لأبناء المناطق الداخلية كي يغيروا واقعهم ويحققوا ما عجز عنه آباؤهم.
ولعل هذا الحرص الكبير على الدراسة منذ السنوات الأولى يفسر،إلى حد بعيد،النتائج المشرفة التي بدأت تحققها الجهة في امتحانات الباكالوريا والنوفيام.فخلف كل تلميذ متفوق غالبا حكاية أب أنهكه العمل،وأم اختصرت من مصاريف البيت،وعائلة آمنت بأن العلم هو الاستثمار الوحيد الذي لا ينبغي التفريط فيه.

حلول لتخفيف العبء..

وفي مواجهة الغلاء، تحاول بعض الأسر ابتكار حلول بسيطة لتخفيف العبء. فهناك من يحافظ على الكتب المدرسية التي لا تزال صالحة لتنتقل من طفل إلى آخر، وهناك من يقتني المستلزمات تدريجيا وقبل انطلاق الموسم الدراسي،حتى لا يجد نفسه أمام مصاريف ضخمة في وقت واحد.
لكن هذه الحلول رغم أهميتها، لا تلغي حقيقة واضحة ومؤلمة: العودة المدرسية أصبحت عبئا ماليا ثقيلا على كثير من العائلات.
فحين تصل كلفة تجهيز تلميذ في السنة السابعة أساسي إلى حدود 500 دينار، وحين قد تتجاوز مصاريف ثلاثة أبناء يدرسون في مستويات مختلفة ألف دينار بين الملابس والمحافظ والأدوات والكتب،يصبح الدخول المدرسي بالنسبة إلى الأسرة محدودة الدخل معركة حقيقية.
ومع ذلك،يواصل الأولياء الكفاح.يبحثون عن الأرخص، ويقارنون الأسعار ويؤجلون حاجياتهم، ويقتصدون في تفاصيل كثيرة لأنهم لا يريدون أن يكون الفقر سببا في حرمان أبنائهم من حقهم في التعلم.
إنهم يدركون أن الطفل الذي يحمل محفظته نحو المدرسة لا يحمل كتبا فقط،بل يحمل معه أحلام عائلة كاملة.

تخفيف كلفة العودة المدرسية

إن ما يحتاج إليه الأولياء اليوم ليس فقط مزيدا من الصبر،بل سياسات أكثر فاعلية لتخفيف كلفة العودة المدرسية،ومبادرات تضامنية حقيقية، ومراقبة للأسعار،ودعما للعائلات محدودة الدخل، حتى لا يتحول التعليم،الذي يفترض أن يكون حقا للجميع،إلى عبء يرهق الأسر ويستنزف ما تبقى من قدرتها الشرائية.
وفي النهاية..
وراء كل محفظة جديدة قد تكون هناك رغبة مؤجلة لأب، ووراء كل كتاب مدرسي قد تكون تضحية صامتة لأم، ووراء كل تلميذ يدخل قسمه مبتسما حكاية عائلة قاومت الغلاء كي لا ينطفئ حلم صغير.فالأولياء في تطاوين لا يشترون لأبنائهم مجرد كراريس وأقلام..إنهم رغم ضيق الحال، يشترون لهم أملا في غد أفضل، ويزرعون في حقائبهم حلما قد يكون يوما الطريق الذي ينقذ العائلة كلها من قسوة الحاجة.

متابعة: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى