صالون الصريح

هادي دانيال يكتب/ على غِرارِ ما حَدَثَ في سوريا: تَجنِيدُ المُرتَزقة إلى أوكرانيا..مَرّةً أخرى ضحايا ‘الفوضى الخلّاقة’!.

adanille
كتب: هادي دانيال

عندما يُصرِّح “بتسلئيل سموترش” وزير الماليّة الإسرائيلي ‘نحنُ نهدمُ الدُّوَلَ بِكَسْرِ إرادةِ شُعوبها وتَدَهوُرِ مَعِيشَتِهِم’ فهذه الـ”نَحنُ” لا تَعودُ فقط على الكِيانِ الصهيوني في فلسطين المُحتلَّة، بل تَشملُ الحلْفَ الصهـ.يو ـ أمريكي والدوَلَ والقوى التي تدورُ في فَلكِه مِن القطْبِ الشّمالي إلى القطْب الجنوبي…

ويكون كَسْرُ إرادةِ الشُّعُوبِ وَتَدَهوُرُ مَعِيشَتِها بِتَجهيلِها وتَضليلِها وَنَهْبِ ثَرواتها وبِضَرْبِ البنى التحتيّة الزِّراعيّة والصِّناعيّة لاقتِصادِها النامي وبالتالي إفقارها وتجويعها وتحويل رِجالِها ونِسائها مِن الشبابِ والكُهولِ إلى عاطِلِينَ وعاطِلاتٍ عن العَمَل، وَمِن ثمَّ كما يتمّ تحويلُ أعدادٍ هائلةٍ مِنهُم إلى عُملاءٍ وجواسيسَ للدُّوَلِ المُهَيمِنةِ الإقليميّة والدوليّة يَجرِي تَجنِيدُ مِئاتِ الآلافِ كمقاتِلِين مُرتزقة في الحُرُوبِ الصهيو أمريكيّة مِن العراق إلى ليبيا ومِن اليَمَنِ إلى أذربيجان ومِن سوريا إلى أوكرانيا.

ثورات الفوضى الخلاّقة

وفي هذا السِّياق يتذكّرُ التونسِيُّون كيفَ وَعَدَ أحَدُ قِياداتِ حركةِ النَّهْضة شبابَ وشابّاتِ تونس بثلاثمائة ألف فُرْصًة عَمَل تَنتظِرُهم في ليبيا، ليتبيّن لاحقاً أنّ هذه الفرَص هي تدريبُهم على القِتالِ واستخدامُ الأسلحة في مُعَسْكَراتٍ لِيبيّةٍ خاصّة ومِن ثّمَّ إرسالهم جوّا إلى تركيا ومِنْها عبروا الحُدودَ البريّةَ إلى سوريا والتَحَقوا بالفصائلِ الإرهـ.ابيّةِ التكفيـ.ريّةِ التي قاتلت الدولةَ الوطنيّةَ السوريّةَ وَشَعبَها وجَيشَها تَحتَ ذريعةِ مُساندَةِ “ثورة” مزعومة، من ثورات “الفوضى الخلّاقة” التي صَنَعَتْها المُخابراتُ الأمريكيّة لإسقاطِ الأنظمة الوطنيّة وتفكيك المؤسسات العسكرية والأمنية وغيْرها مِن مؤسسات الدولة (كما حَصَلَ في تونس، ومِصر، وليبيا، واليَمَن وسوريا)، وتقسيم مُجتَمَعاتها وإعادتها إلى مُكوّناتِ ما قَبْل الدَّوْلةِ، أعني المُكوِّنات القبائليّة والعشائريّة والدِّينيّة والطائفيّة والعرْقيّة، مِن أجْل إعادة صياغة المنطقة جغرا سياسيّاً أيضاً، وصولاً إلى إقامة ‘شرق أوسط جديد’ من دويلات فاشلة تدور في فلك دولة “إسرائيل اليهوديّة الكبرى”.

حرب لم تُحسم بعد

وإذا كانت الفصائلُ الإرهـ.ابيّة التي تَستقطِبُ “المُجاهِدِين والمُجاهِدات” الأجانب والسوريِّين على الأراضي السوريّة، في طليعةِ المُرَشَّحِين لإرسالهم كي يسندوا الجيش الأوكراني، خاصّة وأنّ بعضَهم كان قد قاتلَ ليس فقط في سوريا بل في أذربيجان وليبيا والبعض الآخر أرسِلَ منذ مدّة لقتال الحوثيِّين في اليَمَن، فإنّ إرسالَهم سيكون بَعْدَ استخدامِهِم في حربٍ مُرتَقبة على “حـ.زب الله” اللبناني و”الحشد الشعبي” العراقي في سياق الحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة على إيران، التي لم تُحسَمْ بعْد.

وعلى الرغم من أنّ إيصالَ أحمد الشرع ‘الجولاني’ إلى مَنصِبِ الرئيس المؤقّت للسلطة التي أنشأتْها بريطانيا وأنْقَرَة من إرهابيِّـ.ي “جبهةِ النّصْرَة” (التي صارَ اسمُها لاحِقاً “هيئةَ تحريرِ الشَّام”) بَعْدَ إسقاطِ نِظامِ الرَّئيسِ بَشّار الأسَد بِتوافُقٍ أمريكيٍّ ترْكيٍّ بريطانيٍّ إسرائيليٍّ خليجيّ، قد نَجَمَ عَنْه تَصنيفُ دِمَشْقَ على رأس العَشْرِ عَوَاصِم غيْر القابِلة لِلعَيْش، مِن بَين عَواصِمِ العالَمِ لِسَنَةِ 2026، حسبَ أحْدَثِ تقريرٍ صادِرٍ عن وحدة الاستخباراتِ الاقتصاديّة التابِعة لِمجلّةِ الإيكونوميست، وأنّ هذه السّلْطة الحليفة لِتَل أبيب باتت خَطَراً على جِيرانِها في لبنان والعراق والأردن الذي لم يُمَكِّنْه دَورُه الوظيفي مِن لَجْم نسْبةِ البطالة فيه فَجاوَزَت الأربعين بالمائة…

سِيناريو تَجنيدِ مُرتَزقة

على الرُّغْم مِن ذلك لم تَتَّخِذْ السلطاتُ في الدُّوَلِ الأفريقيّة الإجراءات التي تَحُولُ دُونَ تَنفيذِ سِيناريو تَجنيدِ مُرتَزقة مِن الدُّوَلِ الإفريقيّة التي “كَسَروا إرادةَ شُعُوبِها وَدَهْوَرُوا مَعِيشَتَهُم” فَدَفَعَهُم التجهيلُ والتضليلُ والبطالةُ والفقْرُ والجُوعُ إلى الهجْرَةِ غيْر الشرعيّة والالتِحاق بِفصائلِ الإرهابيِّيـ.ن التكفيـ.ريِّين والمُرتزقة، فباتوا مُؤَهَّلين لِترحيلِهم إلى مُعسكَراتِ تدريبٍ خاصّة قبْلَ إرسالِهِم جَوّاً إلى تركيا ليلتحقوا عبْر البحر الأسود بما تبقّى مِن جيش “فولوديمير زيلينسكي”. وسيكون مَصيرُ هؤلاء المُرتزقة الإفريقيِّين أسوأَ مِن مَصيرِ نُظرائهم الذين أُرْسِلوا إلى سوريا لأنّ عنصريّة نظام “زيلينسكي” الصـ.هيوني ضدّ المُلوَّنِين خاصّة ستُرسِل هؤلاء الأفارقة إلى أكثر الجبهات تَوَتُّراً وأشدّها خَطَراً، فإنّ الأرجح أنّ المرتزقة الأفارقة الذين سيَلتَحِقون بِما تبقّى مِن الجيش الأوكراني لن يَنجو مِنهُم أحَد.

والذي يجب التنبُّه إليه أنّ ظاهرة المرتزقة الأفارقة هذه ليست جديدة، فقد سَبَقَ للسنغال أن عبّرت لأوكرانيا، قبْل أربع سنوات، عن استيائها مِن دعوةِ سفارتها في “داكار” لِتَجنِيدِ مُقاتِلِين، انطِلاقاً مِن أراضيها لِلمُشاركة في الحرب الحاليّة ضدَّ روسيا. وذلك على خلفيّة خَبَرٍ بَثّتْهُ وكالة “فرانس برس” عن تَجنيدِ 36 شخصاً في السنغال للمساعدة في الحربِ ضدَّ الرُّوس.

وبِسبَبِ ذلك ، رُبّما، امتنَعَت السنغال، حِينَها، عن التصويت على قرارٍ للجمعيّة العامّة للأمَمِ المُتَّحِدَة “يُطالِب رُوسيا بالكَفِّ فَوراً عن استِخدامِ القوّة ضدَّ أوكرانيا”.

منذ أرْبَع سنوات كان عَدَدُ المُرتزقة الأجانب في الجيش الأوكراني قد بَلَغَ عشرين ألفاً، والآنَ بَعْدَ أن بَلَغَ عَدَدُ قتْلى الجيشِ الأوكراني مئات الآلاف فإنّ نشاطَ المخابرات الأوكرانية في دول شمال إفريقيا وجنوبها ومنطقة الساحل يسعى إلى تعويضِهِم، وهذا سَيُعرِّضُ أمْنَ الدُّوَل الإفريقيّة والعَرَبيّة مِنها بخاصّة إلى خَطَرٍ مُباشر، قبل تحويل هؤلاء المرتزقة إلى تركيا الذي سَبَقَ لِلِّجْنَةِ اليهوديّة الأمريكيّة أن مَنَحَت رئيسَها ” طيّب رجب أردوغان” جائزة الشجاعة اليهودية التي “لا يزالُ يَحمِلُها بِفَخْر”، وهذه الجائزة مُنِحَت لعشرة أشخاص، كان “أردوغان” الوحيدَ بَينَهُم الذي لا يَعتَنِقُ الدِّيانةَ اليَهودِيَّة.

مرتزقة وأسلحة!

وهذا الدَّور الصّهيـ.وني الذي سَبَقَ أن لعبتْه أنقرَةُ في سوريا، ضدَّ الجيش السوري بقيادة الرئيس بشّار الأسَد ، وضدّ الوُجُود الرُّوسي الذي كانَ بِطَلَبٍ مِن الرئيس الأسَد نَفْسِه لِمُقاوَمَة جحافل الإرهابيِّين الذين كانوا يَتدفَّقون مِن الحُدُودِ البرّيّة مع تركيا على الأراضي السوريّة، ويرتكبون أبْشَعَ جرائم الحرْب التي ذهب ضَحِيَّتَها عَشَراتُ الآلاف مِن السُّوريِّين المَدَنيِّين العُزَّل تحتَ شِعاراتٍ طائفِيَّة،(نذكرُ مِنْها مَجازر جسْر الشغور وكَسَب وعَدْرا العُمّاليّة ومَعلولا وغزوة أمّ المُؤمِنين عائشة…وغيْرها قبْلَ سقوط نظام الأسد، والمَجازِرِ التي تَلتْ تسلُّم الشرع زمام الحكم التي كان أبرزها مجازر الساحل السوري والسويداء وحيّ الشيخ مقصود وكنيسة حيّ الدويلعة بدمشق…ولا يزال الحبْلُ على الجرّار)…إذَن هذا الدَّوْر تُمْعِن فيه تركيا ضدّ روسيا ليس فقط بِأنْ تأخذَ على عاتِقِها إيصالَ المُرتزقة الأفارقة إلى شواطئ أوكرانيا على البحر الأسوَد بَعْدَ أن يَصِلوا إليها جوّاً، بل إنّ “أنقرة” اتَّفقَت مع “كييف” على إرسالِ أسلِحَةٍ أمريكيّة بِقِيمةِ نصْف مليار دولار أمريكي مِن مَخزون الجيش التركي إلى الجيش الأوكراني، وعِنْدَ افتِضاحِ الصَّفقة لم تَنْفِ “أنقرة” الأمْرَ، بل تَذَرَّعَتْ بأنّها تتخلّص مِن أسلحةٍ قديمة مُقابل مَبلَغٍ مالِيٍّ سيَسمَح بِتجديدِ ترسانة الجيش التركي، علْماً أنّ البعض الكثير مِن أسلحةِ هذه الصَّفقة مُحَرَّمة دوليّاً كالذخائر العنقوديّة مثلاً لا حَصْراً.

هكذا كانت أنقرة ولا تزال تبتزّ دُوَل العالَم، وخاصة الغرب، بالمهاجرين غيْر الشرعيّين أو بالمرتزقة الإرهابيّين، للسكوت عن سِياساتِها داخِلَ تركيا ضدّ الصحفيّين والناشطين السياسيّين الذين تعجّ سجون “أردوغان” بهم، وخارِجَ تركيا حيث يحتلّ جيشُها مدناً وبلداتٍ شمالَ وشمالَ شرقيّ سورية يرفع عليها أعلاماً تركيّة ويفرضُ على مُتساكِنِيها السوريِّين التعامُلَ بالليرة التركيّة وعلى مُؤسَّساتِها التعليميّة والخَدَمِيّةِ المَناهِجَ واللغةَ التركيّة، في مُحاوَلة تتريكٍ سافِرَة. وهي تُنافِسُ في ذلك ما يقوم به جيشُ الاحتِلالِ الإسرائـ.يلي الذي يحتلّ أو يُسَيطِرُ على جميع ولايات (محافظات) الجنوب السوري مُضافاً إليها مساحة شاسِعة مِن رِيف دِمَشق.

استثمار في الضحايا!

ويبدو أنّ التنافُسَ التركي – الإسرائيلي يمتدّ إلى إفريقيا لِدَعْمِ نظام “زيلينسكي” الصهيوني ومُخابراتِه التي تَنْشَطُ مُعَرِّضة أمْنَ الشعوب الإفريقيّة ودُوَلها إلى مَخاطر مُختلِفة.

مرّة أخرى، الصهـ.اينة عبْر العالَم، يستثمرون في ضحايا الحروب الصهيـ.و أمريكية لـ’تدمير الدُّوَل بِكَسْرِ إرادة شعوبها وتدهُور مَعيشتِهِم’، ويُحوّلون هؤلاء الضحايا إلى قَتَلَةٍ وقَتْلى في أراضٍ بعيدة ولِخدمَة مَصالح أعدائهم الذين حوّلوهم إلى عاطِلِين عن العَمَل وجِياعٍ ومُهاجِرِين غيْر شرعيّين ومُرتَزَقة!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى