صالون الصريح

يوسف الرمادي يكتب/ شواطئ أحواز العاصمة أوائل القرن العشرين (الجزء الثالث)

aramadi
كتب: يوسف الرمادي

عندما يأتي المساء نتناول العشاء في طرف طاولة أين السيسيليّن يبيعون السمك الذي نذهب لقليّه بأنفسنا في الخارج على نار ملتهبة أشعلتْ على الرمال مباشرة أين يعدّ كذلك البريك والفطائر الخفيفة جدّا والشكشوكة التي تأخذ فمك من شدّة الحرارة وكفاكهة نتمتّع ببرج من الدلّاع.

وفي ساحة ‘الروتاند’ تشعل الأضواء ويُرْفَعُ ستار على “خشبة المسرح” ونرى فجأة وقد وَصَلْنَ إلى هنا كأنّه بمفعول سحري وقد يكنّ خرجن من البحر مجموعة من حوريات البحر وقد اصطففن حسب العمر والقامة والحجم.

وأصغرهنّ فتاة رقيقة وهشّة لا يتجاوز سنّها 16 سنة بينما الأخيرة في الصفّ وهي مديرة هذه المدرسة الداخليّة يمكن أن تكون ضيفة الشرف في مسابقة الحيوانات السمينة. وفي الواقع كنّ كلّهنّ جميلات ولابسات ثياب حريريّة ومحلّيات بالجواهر التي تحدث رنينا لكن أساس هذه السهرة هي “شركيسيّة” آتيت من مجموعة سيدي محمّد ووقع التخلّص منها بعد موت الباي. وبينما كان الموسيقيون يضربون على الدربوكة ويقسّمون على الكمنجة وينفخون في المزمار نهضت وبدون مقدّمات وشرعتْ في أداء رقصة البطن وهي تملك كثيرا من الرقة والفخامة الرائعة وكثيرا من المرونة الرشيقة وكثيرا من الحزن الفاسق.

وكنّا ننظر إليها مسحورين وكنّا في كلّ حركة من حركاتها نرى الأشرطة المتدلّية من حزامها الفضي تتطاير كأنّها الثعابين وكانت ذراعيها تتلوّى كرقبة الإوزّ كما كان شعرها الطويل تارة يتدلّى على الأرض وأخرى يلتفّ بجسد محبوب رغم أنّنا لا نراه.

وعندما تنهي رقصتها تذهب فجأة للجلوس على أريكة وتشرب عصير الليمون ولا أحد صفّق من الجمهور لكن خشفة الشواشي ترتجف تحت الرقاب وعندما يمرّ “الناذل” يسرّ له برقم في أذنه فيصعد على الخشبة ويحمل المقترح للأيقونة التي تقبل أو ترفض … والحفل يستمرّ .

وبعد الشركسيّة تنهض الباقيات بدورهنّ ليرعشن أردافهنّ ويرقصن ويعدن رقص الرقصة العربيّة على الأبد رقصة الجنس والبطن والتي ماهي إلّا رمز وطني.

لكن لم نعد نرى شيئا فالقمر قد صعد من وراء جبل بوقرنين وطرح قنطرة من الأنوار تصل إلى أمامنا وكانت برودة رائعة تصعد من الماء بينما كانت الأمواج الخفيفة تحدث أصواتا بين العرصات،

كما كان هنالك سبّاحين متأخّرين يسبحون حول “العوّمات” وكانت الموسيقى الحزينة والمؤثّرة تأخذنا فنشعر كأنّنا في حلم .

ومن “الروتندات” الأخرى كانت تصلنا نفس هذه الميلودي ونفس هذا الغناء و الدربوكة والمزمار الذين يصاحبا هذا الصخب.

وفي الأسفل هنالك عربيان جميلان كأنّهما “إلهان صغيران” يسبحان وقد ربط بينهما الذهب الذائب للقمر. وفجأة نشعر أنّنا بقينا وحدنا بعيدين جدّا وقد تأخرنا قرونا للوراء في ضياع على هذه الخشبة المتأرجحة ,في ضياع وسط هذا البلد الغريب والذي لا نعرف عنه شيئا والذي سوف لا نعرف عنه إلى الأبد لا الأحلام ,ولا الحبّ ولا الحماسة …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى