صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: هل نحن أحرار بالفطرة..أم إنّنا نتدرّب لكي نكون أحرارا؟

issa-bakouche-4
كتب: عيسى البكوش

هو ذا الموضوع من ضمن ثلاثة يقترحها ‘نادي الكتاب’ في نابل بمناسبة المحفل الخامس للفلسفة الذي يعقده هذه الأيّام، وهو لعمري جدير بالتناول والدرس.

رُوي عن الخليفة عمر بن الخطاب بأنّه قال: “متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا”.
هذه القولة إنّ صحّت فهي لا تزيد برأيي عن أنّها تدحض الرقّ الذي وَا أسفاه بقي العمل به قرونا بعد وفاة الخليفة الراشد.
أمّا أبو القاسم الشابي فهو يجزم في قصيد “يا ابن أمّي”:
” خُلقتَ طَليقاً كَطَيفِ النَّسيمِ
وحُرًّا كَنُورِ الضُّحى في سَمَاهْ
كذا صاغكَ اللهُ يا ابنَ الوُجُودِ
وأَلْقَتْكَ في الكونِ هذي الحيَاهْ ”
ثمّ تراه يتساءل وهو عليم:
” فما لكَ ترضَى بذُلِّ القيودِ
وتَحْني لمنْ كبَّلوكَ الجِبَاهْ”
إذن يولد الطفل على الفطرة ثمّ أبواه يؤطّرانه ويتعهّدان بتربيته في غالب الأحيان بالأمر والنهي.
ثمّ يأتي زمن المؤدّب فيتوجّه إليه الأب وهو يناوله الابن ‘حاسبني بجلده’، ثمّ المعلّم والقيّم والحارس، فالكلّ يراقب ويتحسّس من حركات هذا اليافع الذي يسعى للتحرّر ويتجاوز النواهي، وحتّى القرب من المحظور.

عمّ التخويف

ألم يعص آدم ربّه بعدما نهاه عن الاقتراب من شجرة الخلد كما زيّنها له إبليس؟.
كذا ابن آدم يولد حرّا ولكن سرعان ما يتقيّد ويتكبّل فيُذعن أحيانا ويثأر أحيانا أخرى، وهناك من يبقى بين المنزلتين لا مذعنا ولا ثائرا وهو لعمري حرّ في موقفه من هذه البيئة التي لا تأبى العنف بل تطلبه: العصا لمن عصى، وحتّى لمن لم يعص، ناهيك أنّ المتنبّي نفسه لم يتورّع من التلويح بالعصا عند هجائه للإخشيدي: ” لا تشتري العبد إلاّ والعصا معه’..
وهكذا عمّ التخويف وسلّت السيوف فوق الرؤوس حتّى استبطن النّاس هذا الشعور فتنازلوا عن الحريّة واستمالهم النظام، وهذان هما الخطّان اللذان يفرقان بين اليمين واليسار في المشهد السياسي الغربي.
أمّا في الشرق وبالتحديد في بلاد العرب فإنّ المحكوم فيه أصبح طيّعا للحاكم بل مناشدا له.
يقول هشام حفيظ (1937-2021) إنّ في جينات العربي الإذعان للسلطان وتسليم أمره بالتمام له.
وكم شاهدنا من القادة العرب من ما إن يطلّ محيّاهم على منظوريه وقد تمّ جمعهم منذ ساعات حتّى تلهج الحناجر وتدقّ الأيادي وهو يلمحهم بانتشاء وكأنّي به يستحضر ما قاله ابن هانئ في ممدوحه المعز الفاطمي:
” ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فأنت الواحد القهّار”

بين الحق والواجب

والجدير بالتذكير في هذا المضمار ما جاء بالاصدارين للصديق عبد السلام المسدّي والمنعّم محمد مواعدة واللذين يحملان عنوانا متشابها عن صناعة الدكتاتور وفحواهما أنّ الحاكم لا يولد دكتاتورا بل يصنعه قومه.
في المقابل وإذا ما استثنينا فترتي نابليون وهتلر في أوروبا الغربية فإنّ الغرب شهد فترات من التحرّر الفوضوي أي عندما اعتبرت الحريّة مطلقة.
لقد كنت شاهدا على أحداث ماي 1968 بباريس وقد كان من ضمن الشعارات المرفوعة: ‘يمنع المنع’ Il est interdit d’interdire .
ولكن سرعان ما دخلت هاته الإرهاصات طي التاريخ عندما صفّر ديغول (1890-1970) نهاية الاستراحة ومهّد السبيل إلى خروجه من الحكم بطريقة مسرحيّة واسترجع البلد شعاره: حريّة ـ مساواة ـ إخاء.
فالحريّة لا تستقيم إلا إذا اقترنت بالقيم الأخرى، والمشاع أنّ حريّتك تقف عند حريّات الآخرين، كما أنّ هذا الحق لا يكتسب إلا إذا لازمه القيام بالواجب.

درس الحرية

لقد سافرت ذات عام إلى السويد وعند مغادرتي له رافقني إلى المطار صديق مقيم هناك، ولمّا وجدنا أحد المكاتب خالية وقد مرّ على وقت افتتاحه خمس دقائق، هاتف الصديق المسؤول فأنّبه وعندما أقبل قدّم اعتذاراته، فتعجّبت فقال لي: ‘نحن في هذا البلد نتمتّع بالحريّة ولكنها حرية مقيّدة بأداء الواجب المدني’.
فليس حرّا من لا يفي بواجباته إزاء المجموعة من دفع الضرائب واحترام المحيط وعدم إيذاء الآخرين.
ما أروع هذا الدرس الذي يتلقّنه المرء فيترسّخ فيه حتى يصبح سلوكا.
فهلاّ درّبنا أبناءنا وأحفادنا على هذه القيم لكي لا يضلّوا عليها ويظلوا كما ولدتهم أمّهاتهم … أحرارا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى