عيسى البكوش يكتب/ هشام جعيّط (1935-2021): أحد أبرز علماء التاريخ العرب


كتب: عيسى البكوش
هو ثالث الفرسان الثلاثة للفكر العربي في الغرب الإسلامي: هشام جعيّط صنو العلمين محمد أركون (1928-2010) ومحمد عابد الجابري (1935-2010)…
البدايات
ولد سي هشام بالمرسى يوم 6 ديسمبر 1935 في بيت جاه وورع إذ أنّه حفيد الوزير الأكبر يوسف جعيّط (1830-1915) وابن أخ الإمام الشيخ محمد عبد العزيز جعيّط (1886-1970).
على إثر دراسته بالمعهد الصادقي وتخرّجه بتفوّق، انتقل إلى فرنسا لمواصلة التعليم بمعهد Louis Le Grand بباريس ثمّ بجامعة السربون حيث تحصّل على الإجازة في التاريخ، ثمّ على شهادة الدراسات العليا بفضل رسالته حول ‘أحكام السوق’ ليحي بن عمر المتوفى سنة 901 ميلادي والمدفون بمدينة سوسة.
عاد من حيث أتى!
تحصّل سنة 1962 على التبريز في التاريخ، ثمّ عاد إلى وطنه لتدريس تلك المادة بالمؤسّسات التعليمية في تونس، ولكن لم يطل البقاء بين بني جلدته إذ أنّه اضطر عام 1968 -على إثر مواقفه من السلطة وبالأساس من “السلطان”- إلى العودة من حيث أتى.
شارك في إعداد موسوعة تاريخ تونس الموسومة بـ: Histoire de la Tunisie والتي قامت بنشرها الشركة التونسية للتوزيع، وتناول في القسم الثاني منها حقبة القرون الوسطى بمعيّة الأساتذة فرحات الدشراوي ومحمد الطالبي وعبد المجيد ذويب.
التحق بالمركز الوطني الفرنسي للبحوث حيث واصل اهتمامه ببدايات الإسلام وأنجز عمله الأثيل حول مدينة الكوفة تحت إشراف الأستاذ Claude Cahin فكانت أطروحته الشهيرة عام 1981 حول “نشأة المدينة الإسلامية” والتي نُشرت بباريس عام 1986 عن دار maisonneuve et larose، ثمّ تتالت إنتاجاته فكانت ‘الفتنة الكبرى’ التي نُشرت عام 1989 عند Gallimard وثلاثية ‘السيرة المحمّديّة’ ونشرتها دار fayard بين عامي 2001 و2013.
وفي الأثناء عاد من جديد إلى تونس…
متعلّق بتونس
تقول ابنته نادية في شهادة أدلت بها ببيت الحكمة في أربعينية والدها: ” كان أبي شديد التعلّق بوطنه، وعلى الرغم أنّه قضّى فترة في فرنسا فإنّه لم يشأ التحصيل على جنسية أخرى غير الجنسيّة التونسية”.
التحق مدرّسا بجامعة تونس. يقول أحد تلاميذه الأستاذ خالد كشير في مرثيته:
“لقد كانت دروسك نبراسا لإعمال العقل والنقد وتفكيرا حيّا يُصاغ ويتبلور أمامنا بصوتك الرقيق وكأنّ على رؤوسنا الطير”.
ويضيف: ” سي هشام، يا من سخّر حياته للعلم والبحث في النصوص وتقصّي آثار بُناة الإسلام الأوائل، لن ننسى محاضراتك فقد كانت أوقاتا ممتعة ونادرة، سَعِدنا فيها وتشرّفنا بمعاشرتك، فهي فرص متعتنا خلالها بأفكارك المنسابة سلسبيلا”.
لقد بلغ هشام جعيّط أعلى المراتب الأكاديميّة بإلقاء محاضرات في أعتى المؤسسات العلمية في باريس أي Collège de France.
لم يكن مجرّد مؤرّخ بارع..
يقول الأستاذ فوزي البدوي في هذا المضمار: ‘كان يأتي كلّ خميس من تونس للحديث عن الفتنة قبل صدور كتابه الشهير سنة 1989. كانت القاعة مكتظّة إلى حدّ كبير في كلّ مرّة، وكنت أرى كبار المستشرقين يجلسون في الصفوف الأمامية استعدادا لسماع محاضراته. وحين دخوله كان الجميع يقف احتراما لهذا القادم من تونس المحروسة. كان يحاضر دون ورقة مكتوبة إلا من بضعة رؤوس أقلام “.
كان – مثلما كتب زياد كريشان -: “فرادة فكرية وتأمّل عميق وعيش مع الذات وفيها، فكانت النتيجة مكتبة من أهمّ ما أنتج العرب منذ عصر النهضة.
وقال المؤرّخ محمد حسن وهو يعدّد مناقب زميله الجليل: ” لم يكن مجرّد مؤرّخ بارع في صناعة التاريخ بل كان باحثا عن سؤال حقيقة ما كان وما سيكون”.
لأجل ذلك ومن باب الاعتراف بالنزر القليل لذوي الفضل أطلق اسمه في قائم حياته على مدرج بكليّة العلوم الإنسانية والاجتماعية يوم 14 أفريل 2018، ومن قبل ذلك انتخب من طرف المركز العربي للدراسات ببيروت الشخصية الثقافية العربية المتميّزة لسنة 2018.
ترأّس بيت الحكمة -أعطيت القوس لباريها- من 17 فيفري 2012 إلى 15 ديسمبر 2015.
لقد سعدت منذ سبع سنين وبالتحديد يوم الجمعة 09 مارس 2019 بالجلوس جنبا إلى جنب الأستاذ هشام جعيّط على منبر مركز تونس لجامعة الدول العربية حيث وقع تكريمه من طرف جمعيتَيْ منتدى ابن رشد ورابطة الثقافة والتعدّد، اللتين ارتأتا أن تقرنا هذا التكريم بتكريم مماثل للفقيد مصطفى الفيلالي (1921-2019)، ولقد طلبتا منّي أن أتعهّد بذلك بإعداد ترجمة لسلفي في المجالين النقابي والإعلامي. ولقد عنونت مداخلتي: الجذع المشترك للشخصيّة التونسيّة ـ مصطفى الفيلالي نموذجا ـ (أنظر موقع الصريح 09 مارس 2019).
إثر ذلك سعد الحضور بالاستماع إلى درس موجز ولكنّه بليغ في فلسفة التاريخ من أحد أساطينه في الزمن المعاصر.
ولقد بدا لنا أنّ أستاذ الأجيال كان يبثّ في صدورنا آخر انشغالاته وهو المهووس بالقراءة وكأنّي به قاب قوسين من مراجعات جذريّة إذ أنّه قال: ” إنّه لا يجب الاعتماد فحسب على المدرسة التاريخية الفرنسية بل إنّه من الضروري التوجّه إلى مصادر أخرى كالألمانيّة مثلا “.
ولقد شعرت وقتئذ أنّ الرجل أخذ يقترب من معاصره ادوارد سعيد (القدس 1935- نيويورك 2003) صاحب الكتاب المرجعي ‘الاستشراق’، وهو الذي كتب ‘إنّ المستشرقين الغربيّين الذين أحاطوا بالشرق علما -وغابت عنهم أشياء-؟ يفضّلون المشرق في وضعية وحيدة:
‘الانبطاح’.
سمى الأشياء بمسميّاتها
وعلى كلّ فلقد أعاد سي هشام الكرّة في الحديث التي خصّ به جريدة La Presse
عندما وعد بإعداد كتاب حول تطوّر الفكر الإسلامي وثرائه، وبالخصوص بالمنحى الصوفي له.
“لقد أعدت قراءة أشعار ابن عربي (مرسيّة 1165م- دمشق1241م) وشعرت بالانجذاب إليها “.
في نفس الحديث الذي جاء تحت عنوان: “يجب دقّ جرس إعلان الاستراحة Il faut siffler la fin de la récréation ”
تكلّم المفكّر والملاحظ السياسي الحكيم عن فترة ما بعد الثورة وتداعياتها …” إنّي أجد مجموعات متوحّشة داخل البرلمان وخارجه وهو أمر لا عقلاني” Je trouve qu’il y un ensauvagement de certains groupes dans le parlement et ailleurs. Tout cela est irrationnel.
هو ذلك الرجل الذي لم يجار ولم يمار طوال حياته، يسمّي الأسماء بمسمياتها. لقد كتب مقالا لاذعا في مجلّة Réalités سنة 1988 أزعج به النظام الحاكم إلى حدّ أنّ أحدهم ردّ عليه بإحدى الجرائد الموالية: ” اخرس حينما تتكلّم Tais-toi quand tu parles ” فكان ردّا فضّا على عكس ردّ الرئيس الحبيب بورقيبة – ذلك المستبدّ المستنير le despote éclairé بحسب العبارة الشهيرة لمحمد الطالبي (1921-2017)، عندما استمع لسي هشام وهو يندّد بالوصوليين: ” يا سي هشام لقد وصل الوصوليّون: les arrivistes sont arrivés”
توفي هذا الطود رحمه الله في غرّة جوان من سنة 2021 ووُري الثرى من الغد في مقبرة قمّرت.




