أحلام مستغانمي: في حياتي حبّ سريّ يدعى تونس..يشاطرني إياه ملايين الجزائريين

كتبت: أحلام مستغانمي
كل الشكر والامتنان لوطني الجزائر، و للقنصلية الجزائرية العامة في تونس التي شرّفتني بإقامة عشاء على شرفي بمناسبة الذكرى 64 لاستقلال الجزائر ، بحضور شخصيات تونسية و جزائرية ، و كُتاب و صحافيين..
حيث تمّ تكريمي من قبل قنصلنا العام نصر الدين لعرابة مشكورا ، والعميد التونسي المتقاعد حضرة توفيق ديدي المحب الكبير للجزائر، حتى أن الدموع لم تغادره كلّما جاء ذكر روابط الأخوة وما يجمع الشعبين من ذكريات يحملها جيله في وجدانه.
و قد سعدت بتسليم الصديق الكبير الدكتور رياض شروانة وسام تكريمه، فهو المثقف الذي أخذ الله بصره ، فحمده لأنه أبقى له بصيرته و صبره، وبهما كان حارس الذاكرة الجزائرية ، ومهرّبها من الأرشيف الفرنسي، حيث قضى سنوات منقّبا بين الوثائق الفرنسية، عمّا تمّ السطو عليه من قبل الإستعمار، وندين له بعدة كتب تاريخية.
أنشر هنا نص الكلمة التي ألقيتها ولاقت تفاعلا كبيرا من قبل الحضور ، و الإعلام التونسي و الجزائري ، الذي رآى فيها أصدق تجسيد للروابط الكبيرة و التاريخية بين الشعب الجزائري و التونسي:
أحبّتي ، أي حظ جميل جمعني بكم اليوم في عيد استقلال الجزائر ، أما أن يكون ذلك على أرض تونس الحبيبة، فهو عيد آخر و حدث عاطفي بالنسبة لي .
ففي حياتي حبّ سريّ يدعى تونس، يشاطرني إياه ملايين الجزائريين الذين كانت لهم تونس حضنًا و سندًا أيام حرب التحرير .
بتوقيت الإرهاصات الأولى للثورة وُلدت في تونس ، قمطتني أمي بعلم الجزائر، وأرضعتني حليبا رضعه كل أطفال جيلي في العالم العربي.
جئتُ إلى العالم بمزاج قومي.
أي عنفوان يومها أن تولد جزائريا ، و أيّ حظ أن يكون مهدك القلب المضياف لتونس ، و أن تأتي إلى الدنيا على يد الدكتورة توحيدة بن الشيخ أول امرأة عربية تتصدر اليوم صورتها ورقة نقدية ، كانت توحيدة ابنة الحرية وأمّ تونس الفتية صديقة الفقراء كما الزعماء، لكأن أبي أصرّ أن يربط قدري بامرأة كاسحة للألغام، فتحت الطريق لكل نساء المغرب الكبير.
سنة 1947 غادر أبي السجن الذي دخله إثر انتفاضة 8 ماي 1945 التي عرفها الشرق الجزائري ، وكان ممن خططوا لها وشاركوا فيها مطالبين عند انتهاء الحرب العالمية بوفاء فرنسا لعهدها و منح الجزائر استقلالها بعد أن جندت أبناءها لحرب لا علاقة لهم بها . خلال ثلاثة أيام استشهد في تلك المذابح أكثر من أربعين ألف جزائري قصفا و تنكيلا . ملاحقة السلطات الفرنسية لأبي كما لرفاقه بعد السجن ما تركت لبعضهم من خيار سوى اللجوء إلى تونس . تماما ، كما لجأ رفاق الثائر بوعمامة سنة 1880 إلى تونس ، هربا من تهجير قصري إلى كاليدونيا الجديدة . ففي كل الثورات الجزائرية، كان حضن تونس مفتوحا لنا .
كرفاقه المناضلين الجزائريين المؤمنين بوحدة حركات التحرر المغاربية ، وجد أبي ضالته في الحزب الدستوري الحر، و لاحقا في حزب جبهة التحرير أيضا ، إلى آخر حياته احتفظ أبي في حقيبته بدعوات الحزب لحضور اجتماعاته و مؤخرا وصلتني من منزل تميم صور تجمعه بالزعيم بورقيبة.
بروحه الوطنية نفسها أحبّ أبي تونس و خدمها، ما كان يسمح له بمزاولة مهنة غير التعليم، فعمل معلما في إعدادية معقل الزعيم و في منزل تميم وتخرج على يديه جيل من الإطارات التونسية . دعاني قبل سنوات من مازال منهم حيا لتكريمي امتنانا له .
على مدى عقود و في كل ثوراتنا كانت تونس ملجأنا ، حين أعلن الإستعمار الحرب على هويتنا و شاء إطفاء نور العربية و الإسلام فينا ، كانت الزيتونة مقصدنا و منارة وجداننا ، و حين نكل بنا كانت تونس ملاذ مجاهدينا و جرحانا و لاجئينا .
أبدا لن ننسى لتونس ما عانته معنا، ولا دماءها التي توحّدت بدمائنا و سقت ساقية سيدي يوسف عقابا على دعمها الثورة . و من الجميل تعهد البلدين للسعي لازدهار مناطق الحدود التي كان سكانها الأكثر غبنا بسبب الحرب .
ليس نكران الجميل من صفاتنا ، فالجزائري يحب بقلبه كله، ويغدق بكفه كلها .و يبكي إن خانه لسانه في امتحان الوفاء.
شخصيا أهدتني تونس حواسي الخمسة
تونس هي أول ديوان شعر أقمت فيه و أول قصائد بصرية طالعتها ، هنا وُلدت الألوان بزرقتها الضوئية ، و تشكلت ذائقتي الموسيقية مع المالوف و الحضرة و علي الرياحي، وكان الياسمين و ‘العطرشية’ أول ما شممت.
يولد المرء في تونس ثريّا ببهجته ، يعيش بملء حواسه، يتعلم تعريف الكون دون الاستعانة بقاموس شعري . كم من الجمال اقترفت تونس في حقي. فهل كان بإمكاني إلا أن أكون شاعرة!
و كم افتقدت الجزائر التي لم أرها وفتنت برجالاتها وأنا صغيرة أرافق أبي إلى مستشفى شارل نيكول لنعود جرحاها ومعطوبي أحلامها
فهل كان بوسعي إلا أن أولد ثائرة!
فشكرا للجزائر لأنها أورثتني عنفوان جيناتها، وأنجبتني لأضاهي قاماتها، و لم تحد إلى اليوم عن عهدها، وكلّ الامتنان لحاضنتي و مُربيتي تونس، ولذكراها العطِرة.
إنها مشموم الياسمين الذي نعلّقه على عباءة عروبتنا.




