هنا تطاوين: الأهالي محاصرون..ثلاثة جدران ونافذة على البحر..!

الحرّ ليس مجرد درجة حرارة ترتفع على مقياس ترمومتر،إنه كيان طاغ يغزو الفراغ يملأ الزوايا، ويعلن سيطرته على كل شيء.إنه ثقل لا يُحتمل يرهق الأجساد، ويُكسب الأنفاس وهنا، ويجعل من أبسط الحركات جهدا مضاعفا..
وفي هذه الأجواء،حيث تتحول الحياة إلى معركة يومية للبحث عن نسمة هواء أو لحظة برودة،تتفاقم مأساة أبناء جهة تطاوين،بغياب ما يُخفف وطأتها.
دائرة الاختناق
تتآكل ساعات النهار ببطء قاسٍ.إنها دائرة مفرغة من الملل والاختناق.فغياب فضاءات الترفيه، سواء كانت حدائق عامة ظليلة،أو مراكز ترفيهية مكيفة،أو حتى مقاه واسعة،يحبس الناس بهذه الربوع الشامخة والصامدة ( تطاوين) بين جدران بيوتهم التي تتحول بدورها إلى أفران خانقة مع انقطاع التيار الكهربائي. هذا الانقطاع ليس مجرد انقطاع للكهرباء،إنه انقطاع للحياة نفسها.
على شفا الانهيار
فمع صمت المروحة وتوقف المكيف، يتلاشى آخر أمل في مواجهة القيظ.ويتحول الظل إلى سلعة نادرة، والهدوء إلى رفاهية لا تُدرك.يصبح الهمّ الوحيد هو إنقاذ ما في الثلاجة من طعام قبل أن يفسد، أو البحث عن شاحن للهاتف ليبقى اتصالا متواضعا بالعالم الخارجي.
الأصوات تعلو،والأعصاب تتوتر،وتبدو البيئة بأكملها وكأنها على شفا الانهيار تحت ضغط الحرارة والانزعاج.
وفي خضم هذا الكابوس، يبرز حنين غامض،حنين إلى البعيد: البحر.ذلك الفضاء الشاسع الذي كان بإمكانه أن يكون المنفذ والملاذ.إنه ليس مجرد ماء مالح،بل هو فكرة عن التحرر.فكرة عن الانهيار في أحضان موجة باردة،عن نفس طويل بعيدا عن زحام الأسمنت،عن أقدام حافية على رمل ذهبي تحت سماء زرقاء صافية.
البحر الذي يبدو بعيدا، ليس فقط بالمسافة، ولكن بالإمكانية.فمع انشغال الناس بهموم الكهرباء وغلاء المعيشة وصراع البقاء،تصبح رحلة إلى البحر حلما غير عملي، رفاهية من عالم آخر. فيتحول إلى صورة ذهنية نسترجعها للتهدئة،مثل ذكرى جميلة من الماضي أو أمنية عسيرة التحقيق في الحاضر..!
محاصرون بين ثلاثة جدران!
هكذا نحن، محاصرون بين ثلاثة جدران: حرارة لا ترحم، وبنية تحتية تزيد العزلة، وحنين إلى طبيعة أصبحت أحيانا بعيدة المنال.
هذه الوصفة المثلى للإرهاق النفسي والجسدي.إنها اختبار للصبر والقدرة على التحمل،حيث تذوب الفوارق بين الغني والفقير تحت شمس واحدة قاسية،ويبقى الأمل الوحيد هو انتظار غروب الشمس،أو بزوغ قمر ليلي يحمل معه نسيما خفيفا يكون أعظم هدية منحها الله لسكان هذه الأرض في عزلة القيظ.
وهكذا، تبقى جهة تطاوين شاهدة على تناقض صارخ: جمال طبيعي خلاب، وحياة تتخبط في متاهات الحر .وفي هذه المعركة اليومية، لا ينتصر الإنسان بفعل التكييف أو وفرة الكهرباء، بل بصبره المتجذر في عمق هذه الأرض، وبحلمه الدائم ذلك البحر البعيد الذي يغدو في عز القيظ أكثر من مجرد ماء..يغدو وعدا بالخلاص، وصورة للحرية، وبصيص أمل في غد أقل قسوة. فهل يأتي يوم لا يكون فيه البحر حلما، والظل سلعة،والكهرباء رفاهية..؟!
متابعة: محمد المحسن




