صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: عندما تُجهِض واشنطن تطلُّعات الشعبِ الليبي أيضاً

adanille
كتب: هادي دانيال

بعدَ مُضيّ قرابة الخَمْس عشرة سنة على غزو حلْف الناتو للجماهيريّة الليبيّة سابقاً، وإسقاطِ نِظامِها واغتِيالِ قائدِها العقيد معمّر القذّافي وسَحْلِهِ، وتدميرِ مُؤسّسات الدولة المدنيّة و الأمنيّة والعسكريّة، ونَشْرِ الفوضى، وسِيادةِ قانون الغاب بين الفصائلِ القبائليّة المُتحاربة…

بينما الدوَل التي كانت وراءَ هذا الغزو الوحشي وعلى رأسِها الولايات المتحدة الأمريكيّة غيْر آبِهَةٍ بِما آلَ إليه واقِعُ الشعبُ الليبي أمْنيّاً واقتصاديا واجتماعيّاً وغذائيّاً وصحّيّاً ونفسيّاً وتعليميّاً، بَعْدَ أن كان ينعَمُ برفاهيةٍ نسبيّةٍ تُوفِّرُها له الدولةُ الجماهيريّة مِن ريعِ النِّفط والغاز وغيرهما من الثروات التي باتت منذ الغزو الأطلسي نهْبَ أطماع الغزاة وأدواتهم المحلّيّة.

حتى تحين ‘اللحظة الموضوعية’..

باتَ من البديهيّات لأيّ مُراقبٍ أنّ السياسة الخارجيّة الأمريكيّة تجاه ليبيا هي أن تبقى الأوضاعُ فيها غيْر مُستقرّة وأن تُتْرَك إلى المزيد من التعقيد والتعفُّن إلى أن تحين اللحظة “الموضوعيّة” للتدخّلِ الأمريكيّ الحاسِم بالقوّة لِفَرْضِ أمْرٍ واقعٍ ينسجِمُ تماماً مع الرؤية الأمريكيّة لليبيا مُستسْلِمة ومُذعِنة تماماً لإرادةِ واشنطن،
وبالتالي السيطرة المُطلقة أمريكيّاً ليس فقط على نِفطِها وغازِها بل أيضاً على ما تكتنِزُه مِن معادن حيويّة نادرة وبكميّات هائلة على غِرارِ اليورانيوم والليثيوم والكوبالت…

فيروس الميليشيات

وتمهيداً لهذه اللحظةِ “الموضوعيّة” تجعلُ واشنطن مِن بِلادِ عُمَر المختار ساحةً تُدير فيها صراعَ الميليشيات القبَليّة المُسلّحة، كما تفعل الآن في سوريا بعد إطاحةِ نِظامِها الوطني وتفكيكِ مُؤسّسات الدولة السوريّة السابقة الأمْنيّة والعسكريّة والمدنيّة. بل تُحوِّلُ هذه الميليشيات التي كانت أقنِعةً مَحليّة للغزو الأطلسي، إلى فيروس يُمعِن في تمزيقِ النسيجِ الاجتماعيّ الليبيّ وفي الوقتِ نفْسِه يُبقِي على هياكل السلطة القائمة في غَرْبِ البلاد وشَرْقِها مُنقسِمة تتبادلُ الاتهامات المُوثَّقة بالفساد والارتهان لأجنداتٍ خارجيّة، عاجزة عن إيجاد حُلولٍ وطنيّة جذريّة، لأنّ الحلول الوطنيّة الجذريّة تبتكرها حكومة وطنية واحدة للبلاد تنتج عن انتخاباتٍ حُرّة ونزيهة تعكس الإرادة الحقيقيّة للشعب الليبي..

وإنْ كان ثمّة مَن يُعيد الأزمةَ الليبيّة واستعصاءها على الحلّ إلى غِياب وعي شعبي جَماعي وتَفَتُّتٍ مُجتَمَعي ناتج عن غِيابِ “ثقافةِ التعدُّدِيّةِ والحِوار مِمّا يجعلُ أيَّ مَشروع لتوحيدِ البِلاد أو بناءِ دَولةٍ مَدَنيّةٍ أمْراً شبْه مُستحيل”.
ولا شكّ أنّ هذا الخطاب العدَمِيّ ‘التيئيسيّ’ يهدفُ إلى خَلْقِ رأي عام يَجعَل الليبيّين يَتقبّلون “المُنشّطات” التي تَحقنُ واشنطن بها هياكلَ سُلطاتِ الأمْر الواقع في بنغازي شَرْقاً وطرابلس غَرْباً بينما بات الجنوبُ مُرَشَّحاً لأن يكون بَوّابةً واسِعةً لِنشاطاتِ المجموعاتِ التكفيريّة الإرهابيّة (جماعة “نصْرة الإسلام والمسلمين”، “تنظيم الدولة الإسلاميّة في الصحراء الكُبرى”، و “بوكو حرام” في نيجيريا وغرْب إفريقيا) وبالتالي جَعْل ليبيا مركزاً جِهادِيّاً لِتصديرِ الإرهابِ إلى دُوَلِ الجِوارِ كَمِصْر وتونس والجزائر ومِن ثَمَّ إلى دُوَلٍ أخرى عبْر البحر الأبيض المتوسط شرْقاً وشمالاً.

على أوتار هذا الواقع تَعزِفُ الإدارةُ الأمريكيّةُ نشيدَها “الأفريكومي” بِمُناوَرات سيرْتْ “فلينتلوك” 2026 العسكريّة بِمُشاركةِ قوّات تابعة لعبد الحميد دبيبة بالشرْق وقوات تابعة للجنرال خليفة حفتر بالغرْب، بَعدَ أن جمعَتْ الولايات المتحدة ابنَ الأخير “صدّام حفتر” مُمثّلَ ما يُسمّى “القيادة العامة للجيش الوطني” إلى اللواء “عبد السلام الزوبي” مُمثِّلاً لما يُسمّى “حكومة الوحدة الوطنية “. أي أنّ واشنطن تنفّذ سياستها الخارجيّة بالقوّة العسكريّة الأمريكيّة “أفريكوم” التي تُسيطر بِدَورِها على القوة العسكريّة المحلّيّة في الدولة المُستهدفة التي هي هنا ليبيا، وتوُجِّهها. وهِي سياسة استعماريّة تماماً تقوم على مبدأ الغنيمةِ الحربيّةِ لا على مبدأ تبادُل المنفعة أو تقاسُمِها حسب القانون الدولي الناظم للاستثمار أو التعاوُن الخارجي.

تقاوم كل دعوات التوحيد

لذا ستسعى الولاياتُ المتحدة الأمريكية إلى وأْدِ الدعوات الوطنيّة مِن أجْلِ تشكيل حكومةٍ مُوحَّدَة، التي أطلقتها شخصيّاتٌ وطنيّةٌ ليبيّة على غرار “أسامة حمّاد” رئيس الحكومة المُعَيَّنة مِن مَجلِسِ النوّاب الليبي غيْر المُعترَف بِه دوليّاً، و”مصباح دومة” النائب الثاني لِمَجلِسِ النوّاب، اللذين شَدّدا على ضرورةِ “إطلاقِ حِوارٍ وطني شاملٍ وجادٍّ يقودُ إلى حكومةِ وحدة وطنيّة تَوافُقِيّة بِمهمّات واضحة وصلاحيّات مُحدَّدة ضمْن إطارٍ وطنيٍّ مُلزِم” وذلك لأنّ هذا “مَطلبٌ شعبيٌّ وطنيٌّ مُلِحٌّ” لإنهاءِ حالةِ الجمودِ وتَشكيلِ حكومةٍ تتمتّعُ بالشرعيّة والصلاحيّات اللازمة، ولأنّ “توحيدَ السلطة التنفيذيّة هُوَ السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي وضمان وُصُول الخدمات إلى جميع المُدُن والقُرى بدون تمييز”.

تهديد حقيقي

لقد حَذَّرَت هذه الشخصيّات الوطنيّة الليبية مِن أنّ استمرار الانقِسام وتعطُّل المَسارات الدستوريّة والتنفيذيّة يُشكِّلُ تهديداً حقيقيّاً لوحدةِ البلاد، لذا دَعَت إلى حكومةِ وحدة وطنيّة حقيقيّة تنجُم عن “إجراءِ انتخاباتٍ رئاسيّة وبرلمانيّة مُتزامِنة، تُلبّي تطلُّعات نحو 8’2مليون ناخِب ليبي”.

ولكنّ الولايات المُتحدة التي ترفع شِعاراتٍ توحيديّة بِلِسانِ “مَسْعَد بُولُس” مُستشارِ “ترامْب” لِشُؤونِ إفريقيا والشرْقِ الأوسَط، تقوم ميدانيّاً وفعليّاً بتكريس حالة الانقِسام بِدَعْمِها المُزدوَج لِفَرِيقَين أحدهما أسَّس في شرق البِلادِ سلطة منفردة والآخر بات في غرْبِها نموذجاً مثيرا للجدل، وبالتالي كلاهُما مُؤهَّل لخدْمة مَصالح واشنطن على حساب مَصالح الشعب الليبي. وهذا مَقْصَدُ صحيفة “وول ستريت جورنال” عندما نَشرَت تقريراً أعدّه “بينوا فوكون”، قال فيه “إنّ الولايات المتحدة تُحاوِلُ دعْمَ نبْذِ الخِلاف بين الغرْب والشرْق الليبيَّين في مُحاولةٍ منها لتعزيزِ تأثيرها بالمنطقة وتقويضِ التأثير الروسي وزيادة إنتاج البترول”.

أمّا وُعُود الجنرال برينان، نائب قائد القيادة الأمريكيّة في أفريقيا “أفريكوم” بأنّ “حجْم الإمكانات الاستثماريّة يُشكِّلُ حافزاً لإعادة التوحيد”، و أنّ استقرار ليبيا “قد يفتَحُ المجالَ أمامَ الاستفادةِ مِن مواردها لصالح مُختلف الصناعات، لا سيما في مَجالَي التكنولوجيا المتقدِّمة والدِّفاع”، فمآلها مآل الوُعُود الأمريكيّة للشعب العراقي عَشيّة غزو العراق واحتلالِه.

وها هو “جيف بورتر”، رئيس شركة “نورث أفريكا ريسك كونسلتينغ” للاستشارات، ومقرّها نيويورك، يوضّح بأنّ الهدف من جَمْع حفتر إلى دبيبة هو ” تهميش روسيا”، وأنّ غاية مُناوَرات “سيرت” 2026 أن “تفتح البابَ أمامَ ليبيا للحُصُول على المزيد مِن التدريب والمعدّات من الولايات المتحدة وحُلفائها، مِمّا يسمح لها بالتوقُّفِ عن الاعتماد على روسيا وبيلاروسيا في توفير المعدّات”. وأنّ ليبيا المُوحّدة (بإشراف أمريكي) قد تشعُر بالجرأة على قطْع الجسر الجوي الذي تستخدمه روسيا لِنَقْلِ الأفراد والأسلحة إلى حلفائها الأفارقة”.

استبعاد المنافسين الدوليين

إذن، بَدَلاً مِن أن تدعم واشنطن خطّة الأمم المتحدة مِن أجْل “تنفيذ برنامج تنموي موحّد” و”إيجاد ميزانيّة موحّدة لِمَنْعِ المزيد مِن التدهوُر الاقتصادي”، و”إحراز تقدُّم في توحيد المؤسّسات كافّة، بما فيها الأمْنيّة والعسكريّة، والحِفاظ على استقلالِ القَضاء”، تَتَّصِلُ واشنطن بحكومة بنغازي وبحكومة طرابلس، أي بكلّ واحدةٍ منهُما على حِدَة، وتعقدُ التفاهُمات والاتّفاقات التي تخدم فقط إبْعادَ روسيا والصين عن الاستثمار في ليبيا اقتصاديّاً وعسكريّاً وجيوسياسياً، ونَهَمَ “ترامْب” وحاشِيَتِه إلى النِّفط والغازِ والمعادِن النادِرة. وبعباراتٍ أخرى إنّ الهمّ الأمريكي هو إبْعاد المُنافِسِين الدوليّين والإقليميّين كالصين وروسيا وحتّى تركيا الأطلسيّة عن ليبيا، ولِذا فإنّ واشنطن غيْر معنيّة بحكومةٍ وطنيّة واحدة مُوحّدة في ليبيا، بل ديدُنها تجزئة الموحَّد ومصالحها لا تتحقق إلّا على هشاشة الدوَل و تصدُّعِ مُؤسساتِها ومُجتمعاتِها بِنَشْر الفوضى السياسيّة والأمْنيّة والقِيَميّة وتسويقِ قانونِ القوّةِ، أي قانون الغابِ كخِيارٍ أوْحَد وقَدَرِيّ!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى