متفرقات

كذبة أفريل..تاريخ طويل لـ ‘لحظات الانقلاب المرح’

في صباح الأول من أفريل، يستيقظ العالم على واقع موازٍ،حيث تختلط الحقيقة بالخيال في لعبة سنوية يتفق فيها الكبار قبل الصغار على تعليق منطق الجدّ عند الباب.

يوم تتحول فيه وسائل الإعلام الكبرى إلى منصة للعبقرية الساخرة، وتصبح الشركات العابرة للقارات جزءا من نكتة جماعية لا تستثني أحدا.لكن ما الذي يدفع المجتمعات،منذ قرون،إلى تخصيص يوم كامل للخداع؟ ولماذا نجد في هذه الكذبات الجماعية متنفسا غريبا للبهجة؟!

الزمن الرسمي سبقهم!

ترجع أكثر الروايات ترسخا في الوعي الجمعي لهذه الظاهرة إلى فرنسا القرن السادس عشر، وتحديدا عام 1582،حين أصدر الملك شارل التاسع مرسوما تاريخيا بنقل رأس السنة من أوائل الربيع (الأول من أفريل) إلى أول جانفي،اعتمادا على التقويم الغريغوري الجديد.لكن الأخبار في ذلك الزمان كانت تسافر ببطء الوتيرة،كما كانت العقول تسير على إيقاع التقاليد الراسخة.فبقي كثير من الفرنسيين،وخاصة في الريف،يحتفلون برأس السنة في موعدها القديم،دون أن يعلموا أن الزمن الرسمي قد سبقهم.
وهنا كان الخداع الأول: لم يكن الخداع متعمدا، بل كان خطأً بريئا في قراءة التقويم، لكن من كانوا قد انضبطوا للزمن الجديد وجدوا في أقرانهم “المتخلفين” مصدرا للمتعة.فأطلقوا عليهم لقب “أغبياء أفريل”،وأخذوا يرسلون إليهم الدعوات الوهمية والهدايا المزيّفة،ليصبح هذا الطقس بمرور السنين تقليدا سنويا ينتقل من جيل إلى جيل،قبل أن يغادر الحدود الفرنسية إلى بقية أوروبا ثم العالم.

لحظات من الانقلاب المرح

لكن هل كانت فرنسا وحدها مهد هذا التقليد؟ يذهب باحثون آخرون إلى جذور أعمق، تعود إلى العصر الروماني حيث كان عيد “هيلياريا” يُقام في نهاية مارس احتفاء بانتصار الربيع على الشتاء، وكان الرومان في هذا العيد يتبادلون الأدوار ويتنكرون في أقنعة ساخرة،ليشهد المجتمع لحظات من الانقلاب المرح على الطبقات والمراتب.وكأن الحاجة إلى “الانفلات” المرح الموّقت هي غريزة بشرية قديمة قدم الحضارة نفسها.
في تقديري،لا تتعلق كذبة أفريل بالخداع بقدر ما تتعلق بمنح الجميع ترخيصا مؤقتا للعب دور “المهرج”.إنها مساحة استثنائية يعلن فيها الإنسان هدنة مع جديته اليومية،ويمنح فيها عقله فرصة للاسترخاء عبر التوقف عن التدقيق في كل ما يسمع ويرى.
عالم النفس الأميركي بيتر غرامسبي يصف هذه الظاهرة بأنها “تطهير جماعي”، فالمجتمعات التي تخصص وقتا للعب والخفة تكون أكثر قدرة على تحمل ضغوط الحياة.

لعبة ذكية

واللافت أن الضحايا في هذا اليوم ليسوا “أغبياء” بالمعنى الحقيقي، بل إن سقوطهم في الفخ هو ما يمنح المقلب متعته.فالحماقة هنا مؤقتة ومتعمدة، وكثيرا ما يكتشف الضحية أنه خُدع فيضحك على نفسه قبل أن يضحك الآخرون.إنها لعبة ذكية تُظهر الجانب الإنساني المشترك: أننا جميعا معرّضون للخطأ،وأن التصالح مع هذا الضعف قد يكون مفتاحا للسعادة.
مع حلول القرن العشرين،لم تعد كذبة أفريل حكرا على الأفراد أو الأسرة.إذ تحولت إلى مادة إعلامية بامتياز،وأصبحت وسائل الإعلام تتنافس في ابتكار كذبات مقنعة لدرجة أنها كانت تُحدث بلبلة حقيقية في المشهد العام.
ففي عام 1957،بثت هيئة الإذاعة البريطانية BBC تقريرا مصورا يظهر عائلات سويسرية وهي تحصد محصولا وفيرا من المعكرونة من أغصان الأشجار.كان التقرير بجديته وإتقانه كافيا ليجعل آلاف البريطانيين يتصلون باستوديوهات القناة يسألون عن كيفية زراعة شجرة المعكرونة في حدائق منازلهم.والطريف أن القناة ردت على المتصلين بنصيحة جادة: “اغرسوا حزمة من السباغيتي في علبة صلصة الطماطم وانتظروا النتائج”.
أما السويد،فكان لها نصيب من هذه العبقرية المقلبية.في عام 1962،أعلنت القناة السويدية الوحيدة (وهي تلفزيون الأبيض والأسود آنذاك) أن مشاهديه يمكنهم تحويل شاشاتهم إلى اللون الملون فورا عبر سحب جورب من النايلون فوق الشاشة،ليتحقق التأثير البصري السحري.وهبّ الآلاف من السويديين لتجربة “الخدعة التقنية” البسيطة،فقطعوا جواربهم وغطوا بها شاشاتهم، ليكتشفوا بعد دقائق أنهم كانوا على موعد مع واحدة من أشهر المقالب في تاريخ التلفزيون.
لكن كذبة أفريل ليست بلا حدود أوأخلاقيات.ففي الثقافة البريطانية مثلا،ثمة قاعدة غير مكتوبة تقضي بأن تنتهي “منطقة الكذب”عند منتصف النهار.فأي مزيفة بعد الظهيرة تعتبر غير لائقة، ويُعد من يمارسها “الكذاب الحقيقي” وليس الضحية.
وهذه القاعدة تحمل في طياتها حكمة عميقة:أن الخداع المرح يجب أن يكون له وقت محدود، حتى لا ينقلب إلى إيذاء حقيقي أو يفقد الثقة بين الناس.فالكذبة البريئة في هذا اليوم هي التي تترك الجميع يضحكون معا،أما التي تسبب الإحراج أو الضرر فتخرج من روح الاحتفال إلى دائرة مختلفة تماما.

موعد الانبعاث والولادة

ربما لا يكون من قبيل المصادفة أن يتزامن الأول من أفريل مع فصل الربيع. فالربيع في الثقافات القديمة هو موعد الانبعاث والولادة الجديدة،وفيه تخلع الأرض ثياب الشتاء الثقيلة لتظهر في حلتها الباسمة.وكذبة أفريل،بهذا المعنى،هي محاولة بشرية لتقليد الطبيعة: لحظة انعتاق من الجدية الزائدة، وتذكير بأن الحياة ليست مسؤولية دائمة بقدر ما هي أيضا مساحة للمرح والمفاجآت.
لهذا السبب،حين تسمع في صباح الأول من أفريل خبرا غريبا أو عرضا مذهلا،توقف للحظة وابتسم. ربما تكون أنت على موعد مع “كذبة أفريل”،لكن الأهم من الوقوع في الفخ هو أن تظل قادرا على الضحك عندما تكتشف أنك كنت، للحظة،جزءا من لعبة كونية قديمة قدم التقويم نفسه.

متابعة: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى