صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ توفيق بكّار (1927-2017): إمام النقّاد

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

‘أوصيكم باللغة العربية خيرا’..تلك هي وصية أستاذ الأجيال وأحد مؤسسي الجامعة التونسية توفيق بكار في آخر درس ألقاه بكلية الآداب بمنوبة بمناسبة حفل تكريمه عام 2014.

ولد توفيق بكار بمدينة تونس وبالتحديد في منطقة سيدي عبد السلام يوم 31 ديسمبر 1927.
على إثر نجاحه في مناظرة التبريز في اللغة العربية بجامعة السوربون بباريس عاد إلى أرض الوطن للمساهمة في تأسيس هذا الصرح الذي نباهي به ألا وهو الجامعة التونسية وذلك سنة 1962 وهي التي ترأسها في البدء الأستاذ محمود المسعدي وزير التربية آنذاك بمساعدة الأستاذ الجليل أحمد عبد السلام.

مع جماعة ‘كليبير’

انضم توفيق بكار – وهو من فصيلة المثقفين الملتزمين – منذ بواكير شبابه إلى الحزب الشيوعي التونسي صحبة صفوة من اليساريين من أمثال عبد الحميد بن مصطفى والحبيب عطية ونور الدين بوعروج وصالح القرمادي، وكانت مجموعتهم تلقّب بجماعة ‘كليبير’ نسبة إلى النهج المتواجد بحي لافيات حيث يقطن اغلبهم.
يقول الصديق حبيب القزدغلي في كتاب خصّصه للمناضل عبد الحميد بن مصطفى سنة 2017 من نشر مؤسسة روزا لوكسنبورغ : ‘مثّل بن مصطفى نوعا جديدا من المنخرطين الذين التحقوا بالحزب الشيوعي في أواسط خمسينات القرن الماضي شأنه في ذلك شأن توفيق بكار وصالح القرمادي والحبيب عطية ونور الدين بوعروج وغيرهم…” ص9.
ولقد انتسب أيضا إلى فرع الحزب بباريس صحبة البشير الفاني وعلي وصفية فرشيو.
في ديسمبر 1960 برزت مجلة تحمل اسم “منبر التقدم” “La Tribune du progrés” كان مديرها الدكتور سليمان بن سليمان – المقال من الديوان السياسي للحزب الدستوري – ومن أبرز محرريها توفيق بكار وصالح القرمادي والحبيب عطية ومحمد الكراي وعبد الحميد بن مصطفى ونور الدين بوعروج ومارسال معارك ولكنها لم تعمّر.

ضمان حرية الفكر

فأخذت زمرة من الجامعيين على نفسها إصدار مجلة أخرى هي مجلة التجديد وكان من أسرتها منجي الشملي وتوفيق بكار وصالح القرمادي والشاذلي الفيتوري وعبد القادر المهيري الذي كتب في مجلة أكاديميا عدد 31 لسنة 2014 : “لقد لاحت فكرة بعث مجلة جامعة في النصف الثاني من سنة 1960 لدى مجموعة من اساتذة شبّان نجحوا في مناظرة التبريز بين سنتي 1958 و 1960 وكان ديدنها ضمان حرية الفكر والتعبير والإبداع ولقد اهتم توفيق بكار بالخصوص بالأدب التونسي – علي الدوعاجي نموذجا– “.
كان هذا الفصل الذي ورد في خانة الثقافة التونسية الحديثة : مراجع وعلامات يحمل عنوانا غير مخاتل: مجلة ‘التجديد’ وأحلام المثقفين – جهاد من أجل حرية التفكير.
لقد كان توفيق بكار طوال عمره نصيرا للمثقفين والشبّان منهم وبخاصة طلبة الجامعة المضطهدين من طرف السلطة القائمة آنذاك.
لقد جاء في كتاب ‘عابرة هي الأيام’ للمنعّم البشير بن سلامة الصادر عن دار برق عام 2013 : “زارني يوم 25 جوان 1980 الأستاذ توفيق بكار بمكتبي بالوزارة الأولى هو يرى أنه سعيا وراء تهدئة الجو في الجامعة التونسية إثر الاضطرابات لا بد من عفو يشمل الطلبة المسجونين ومنهم حمة الهمامي – أخو الطاهر الشاعر الطاهر الهمامي – الذي قضى الآن ما يقرب من ثمان سنوات في السجن” ص 463.

مؤسس لمدرسة نقدية متفرّدة

أما عن أعمال توفيق بكار الأكاديمية فحدث ولا حرج فهو بالأساس مؤسس لمدرسة نقدية متفرّدة وهو التلميذ المتميز لزعيم حركة النقد الفرنسي “1915-1980 Roland Barthes” فتأثر بأثره الغزير فأضحى بدوره بنيويا وسيميولوجيا.
يقول الدكتور كمال الساكري في مجلة المسار عدد 131 لسنة 2022 :”كان توفيق بكار يعتبر أن النقد هو الإبداع”، ويضيف :”لا شك أن توفيق بكار ناقد إبداعي جمع بين المحصلة النقدية الغربية فتم على هديها دراسات نقدية على عيون النصوص التونسية قديمها وجديدها”.
وفعلا فقد انطلق مترجمنا بكتابات علي الدوعاجي وبداية بأقصوصة “راعي النجوم” ثم تناول أدب المسعدي فأحاط به من كلّ زاوية وأسهم بدوره في المدونة المسعدية بترجمة “مولد النسيان” نشر دار الجنوب. كما أنه اهتم بالشابي ولقد أفرد أبو القاسم محمد كرو في كتابه ‘دفاعا عن الشابي’ الصادر عام 2012 فصلا مطولا بقلم توفيق بكار تحت عنوان “الشاعر والشابي” جاء فيه أنّ الشابي إن كان في نفسه جوهرا فردا فهو في شعره صورتين” ويضيف :”هو الشاعر الذي سخط على الحياة وهو الذي يقدّسها” ثم يختم :”ليس الشابي شاعر الوطنية، فشاعر الوطنية إنما هو الشاذلي خزنه دار وسعيد أبو بكر إلا أن الشابي يبقى شاعرا وطنيا مخلصا لقوّة شعره في الوطنية على قلته، فـ بشعره لا بشعرهم سارت جموع الشعب إلى معارك الاستقلال إنّ ذلك الشعر لا يعدو البيتين فحسب الشابي مجدا أنّه صاحبها” ص211.
مثلما ذكرنا فلقد اهتم مبكرا بالأدب التونسي ولقد نشر صحبة رفيقه صالح القرمادي مدونة “Les Ecrivains de Tunisie” في سنة 1980 عن دار سندباد بباريس وكان يشرف عليها آنذاك الأديب الراحل عبد الوهاب المؤدب (1946-2014).

دراسة حول الرواية التونسية

لقد نشرت جريدة لاكسيون في عددها الصادر يوم الاثنين 28 فيفري 1983 دراسة مستفيضة حول الرواية التونسية بقلم توفيق بكار تحت عنوان Promenade à travers le roman tunisien وفيها جرد للروائيين التونسيين من محمود المسعدي إلى أحمد حاذق العرف مرورا بعز الدين المدني وسمير العيادي وعبد القادر بالحاج نصر ورشاد الحمزاوي وبالطبع البشير خريف.
كما أنه كان وراء إصدار سلسلة “عيون المعاصرة” عن دار الجنوب للنشر وأخيرا وليس آخرا قدّم لكتاب نشرته دار سيرين عام 1986 حول سيرة صديقه الحميم الرسام محمود السهيلي.
من أقواله المأثورة :”إنّ الخصوصية ليست نفيا للكونية فالثقافة تحافظ دوما على خصوصيتها”.
“وإنّ الكائن البشري كائن واحد ومتعدّد في نفس الآن، إنّ كلّ كائن بشري يحمل الكون كله في داخله”.
لقد صدع أمام حسن بن عثمان في كتاب صدر عن دار سيراس عام 1995 يحمل عنوان “مع توفيق بكار في الموجود والمنشود”: ” أنا ماركسي مسلم ومسلم ماركسي والشيئان عندي لا يتنافيان”.
انتقل إلى رحمة الله يوم 24 أفريل 2017 ودفن بمقبرة الجلاّز.
أصدر البريد التونسي في ذكرى وفاته الأولى طابعا بريديا، فهل تكفي هاته اللفتة التكريمية للرجل – الذي استعرضنا نتفا من أثره- حقّه؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى