صالون الصريح

الأمين الشابي يكتب: الحرب على إيران بوّابة الصراع على زعامة العالم..

chebbi
كتب: الأمين الشابي

كلّ منّا يرى الحرب الدائرة رحاها، بين إيران من ناحية والولايات المتحدة والكيان الصـ .هيوني من ناحية أخرى، من الزاوية الخاصة به. البعض فهمها على أنّها حرب صليبية ثانية…البعض الآخر يرى فيها تحيّز الغرب إلى الكيان الصـ.هيوني ليجعل منها القوّة الضاربة بمنطقة الشرق الأوسط…

في حين يذهب البعض لكونها حرب ديانات وتحديدا بين الدين الإسلامي وبقية الديانات. نعم، كلّ هذا صحيح، ولكن هذه الحرب تخفي أيضا حربا وصراعا حول الطاقة أوّلا وحربا أخرى لنفوذ الكبار، ونعني هنا أمريكا والصين وروسيا. وما إيران إلا الميدان التي تخوض فيه هذه الأطراف حرب نفوذها بحكم موقعها الجغرافي وكذلك بحكم انتمائها إلى محور روسيا والصين ولأن ايران كذلك دولة قوية تنافس الكيان الذي تدعمه أمريكا على تزعّم منطقة الشرق الأوسط…

صراع حول الطاقة أوّلا وأخيرا

لو تأمّلنا ملّيا فيما يحدث في هذه الحرب على إيران، لو وجدنا عنصرا خفيّا يتسرّب ما بين السطور ولا يظهر في العلن في كل ما يجرى في منطقة الشرق الأوسط، ولكن كذلك في كل العالم تقريبا. ولا أحد بالتالي بعيدا عن ارتداداته وشطحاته.
وهذا العنصر هو باختصار شديد عنصر ‘الطاقة’ التي في غيابها يمكن أن يشلّ اقتصاد العالم بل وتأخر تقدمه، حتى لا نقول انقطاع سلّته الغذائية أيضا. وهذه ما يفسّر الكثير من التحركات في العالم من أجل ضمان “الطاقة” وعدم انقطاعها؟ وكانت التمهيد لذلك بما أقدمت عليه أمريكا استباقيا بفنزويلا ـ قبل حرب إيران ـ
وما يعنيه ذلك، تحديدا، من السطو على مدخرات نفط ذلك البلد. وكأنّ أمريكا استبقت إيران واستشعرت وأنّ هذه الأخيرة في حال مهاجمتها ستهاجم هي بدورها دول الخليج وبذلك قد تحرم الولايات المتحدة من تدفع النفط لبلادها.

1/ كلّ الحركات تحوم حول مصادر النفط

أدت حرب إيران إلى إغلاق مضيق هرمز فعليًا، وهو الممر الملاحي الضيق بين إيران وسلطنة عمان، والذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، وهاجمت إيران بعض السفن التي حاولت المرور عبره.
وقد انخفضت حركة الملاحة عبر المضيق انخفاضا حادا نتيجة تجنب السفن للمنطقة بسبب الهجمات والتهديدات، مما أعاق شحنات الطاقة العالمية. أوقفت بعض السفن عملياتها أو رست خارج المضيق لتجنب المخاطر، مما أثر ليس فقط على النفط، بل على الغاز الطبيعي المسال وتدفقات الشحنات التجارية الأخرى. يمر عبر ممر البحر الأحمر عادة نحو (15%) من التجارة العالمية، بما في ذلك حصة كبيرة من الشحن بين آسيا وأوروبا. وقد أجبرت المخاطر الأمنية الأخيرة السفن على تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، مما أضاف نحو (10) أيام إلى مدة العبور ورفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل ملحوظ.

2/آسيا وأوروبا أكبر المتضررين

سيطرة إيران على مضيق هرمز أصبح الشغل الشاغل لكل العالم وخاصة وأنّ عبره يمرّ خمس الامدادات من الطاقة (نفط وغاز وأدوية زراعية وغيرها)، فهو يُعد شريانا بالغ الأهمية لتدفقات الطاقة إلى آسيا، بالإضافة إلى مخاوف من تعطل التجارة الصينية وواردات النفط من الخليج. وربّ ضارة نافعة كما يقال، وذلك بالنسبة لروسيا التي تستفيد من أسعار نفط أكثر تنافسية. كما تشكل الحرب الدائرة بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين تحدياً استراتيجياً كبيراً لأوروبا، التي تجد نفسها معنية بشكل مباشر بتداعيات الصراع على أمن الطاقة، واستقرار أسواق التجارة العالمية، وأمن حلفائها في الشرق الأوسط.
كما تؤكد المؤسسات الأوروبية أن أمن الخليج بات مرتبطاً بالأمن الأوروبي ذاته، إذ إن أي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية ينعكس مباشرة على الاقتصاد الأوروبي. وقد شدد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي على أن استقرار الخليج يمثل “ركيزة أساسية للاستقرار الإقتصادي العالمي”، في إشارة إلى الترابط العميق بين أمن المنطقة ومصالح أوروبا الاستراتيجية. وهذا ما دفع بعض الجهات الأوروبية من التواصل مع الجزائر لتقليص النقص لديها من الطاقة عموما (إيطاليا وإسبانيا مثالا)

*صراع نفوذ بين الكبار؟

محاصرة الصين، يبدو أنّه الهدف الأول أمريكيا في شنّها حربا على إيران باعتبار وأن الصين تعتبر المستورد رقم واحد للطاقة من إيران وهي المارد الاقتصادي القادم على مهل الذي سينافس نفوذ الولايات المتحدة على المستوى العالمي.
وهذا ما تخشاه أمريكا، وما دخولها إلى جانب إسرائيل في حربها على إيران إلاّ تجسيد لخشية أمريكا من نفوذ الصين مستقبلا من أجل أن تقطع عنها الطريق. والطريق هنا هو طريق الحرير الذي تخطط له الصين والذي يمرّ حتما عبر إيران.
فإيران ليست خصما إقليميا لأمريكا والكيان فقط بل هي الحلقة الأهم التي من دونها لا يتّم إتمام مبادرة ” الحزام والطريق” الصينية وممرّ النقل الدولي، شمال جنوب الروسي الذي يمرّ عبر بحر قزوين والأراضي الإيرانية. وبالتالي هذا ما يجعل هذه الحرب على إيران موجهة بالأساس ضدّ بكين وموسكو بقدر ما هي موجهة ضدّ إيران ومحور المقاومة.

وهذا ما يفسّر وقوف الصين ومن ورائها أيضا روسيا إلى جانب إيران باعتبار أنّ هذين الدولتين (روسيا والصين) أدركتا مبكرا وأن الحرب على إيران لا تستهدف إيران في حدّ ذاتها، وإنّما تستهدف محور بكين/موسكو/طهران لكسر الطوق المتمثل في البنية التحتية البديلة الذي بناه هذا الثلاثي (الصين وروسيا وإيران).

كلّ يقف إلى جانب حليفه..

كما تقف أمريكا بجانب الكيان في حربها على إيران، تقف كذلك الصين وروسيا إلى جانب إيران. وهذا ما يؤكد وأنّ الحرب هو صراع نفوذ بامتياز، بعيدا عن الأهداف الأخرى المتداولة هنا وهنالك. حيث لم تتخلى أمريكا إلى تزويد الكيان، شريكه في الحرب، بكل ما يستحقه من مواد و سلاح و معاضدته في الهجومات على المواقع الإيرانية ممّا خلّف دمارا كبيرا شمل حتى البنى التحتية و الحيوية لإيران.
وفي المقابل نجد الصين وروسيا، تعاضدان إيران عبر نقلها إلى إيران رادارات متقدمة ومضادة للطائرات الشبح وأيضا تجهيزها برادارات تكشف الطائرات المعادية على مسافة تزيد عن 200 كلم وذلك ضمن شبكة دفاع جوي متكاملة فضلا على منظومة إس-300 الروسية ومنظومة 9B الصينية، زائد معدات حربية أخرى مختلفة.
أمّا على صعيد الاستخبارات الفضائية، وظّفت بكين أسطولها المؤلف من أكثر من 500 قمر صناعي عسكري ومدني مزدوج الاستخدام لتزويد طهران بمعلومات استخبارية آنية ومتواصلة عن مواقع وتحركات القطع البحرية والطائرات والقواعد الأميركية في الخليج وخليج عمان والمحيط الهندي، شملت الاستخبارات أيضا رسم الخرائط التضاريسية.
في مقابل هذا الدور الصيني المتصاعد، يتكشّف بوضوح متزايد عجز واشنطن والكيان الصـ.هيوني عن تحقيق أيّ من أهدافهما المعلنة بعد أكثر من 30 يوماً من القصف المتواصل بتكلفة تجاوزت خمسين مليار دولار، فـ إيران لا تزال تقصف العمق الصهيـ.وني والقواعد الأميركية في أنحاء المنطقة بأسرها بموجات صاروخية يومية متصاعدة، ولا يزال مضيق هرمز مغلقاً فعلياً أمام سفن الأعداء، ولا يزال حزب الله يصعّد من لبنان بعشرات الموجات الصاروخية يومياً فضلا عن دخول أنصار الله لمعاضدة إيران.

إلى متى هذه المغامرات ‘الدنكيشوطية’؟

السؤال الذي يبقى دائما وأبدا بلا جواب مفاده، إلى متى هذه الحروب وإلى متى هذه الشطحات لرجال السياسة الذين يفتقدون الحكمة والتدبر في تسيير شؤون العالم؟ ومتى سيدرك الناخب وأنّ عليه ترشيد اختياراته.
فالحرب يا سادة لا تفرق بين الأسود والأبيض وبين المسلم والمسيحي والملحد وبين الغني والفقير وبين السياسي والمواطن العادي، هي عمياء لأنّ من وراءها أعمياء أيضا لا يبصرون بل وفاقدي الإنسانية وعديمي التفكير. ما يهمهم سوى مصالحهم الشخصية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى