صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: الجزائر تعزز استقلالها بتصفية عقابيل الاستعمار القديم ومقاومة نسخته الجديدة

adanille
كتب: هادي دانيال

وأنت في طريقكَ من الحدود التونسيّة إلى الجزائر العاصمة مُروراً بولايات عنّابة وقسنطينة وسطيف وغيرها يُطالِعُكَ فَضْلاً عن الجبالِ الخضراء الشاهقة والسهولِ الشاسعة بخضرتها النضرة أيضاً، يطالعك نشاطٌ عُمرانيٌّ تخالُ معه أنّكَ ازاء دولة شابّة استقلّت حديثاً قبْل أن تُطلّ عليك العاصمة الجزائرية مِن عَلٍ مدينة عريقة بجمال مهيب.

نهضة صناعية وعمرانية وزراعية

فالدولة الجزائرية اختارت أن تردّ على المؤامرات التي تُحاك ضدّها في الدوائر الاستعمارية أو العميلة للاستعمار قديمه وحديثه، ليس فقط بتعزيز قدرات جيشها القوي وأجهزتها الأمنية إنّما أيضا بأن تدير ثرواتها من النفط والغاز والمعادن بحكمة تجعل مردودها المالي قوّام نهضة صناعية وعمرانية وزراعية نحو اكتفاء ذاتي يحصّن استقلال البلاد وأمنها الغذائي، و تمثيلا لا حصرا هذا ما تبشّر به شركة النفط والغاز الوطنية الجزائرية المملوكة للدولة “سوناطراك” عندما ترعى مشاريع الاستثمار الوطني للأراضي الزراعية الخصبة التي تبلغ مساحتها أكثر من نصف مساحة الجزائر الجغرافية. وهذا كلّه رافد للنهر الإنمائي الأساس، أعني استثمار الثروة البشرية ببناء الإنسان الجزائري جيلاً بعد جيل على قِيَمِ الحرّيّة والاستقلال والعدالة وكرامة الإنسان..

إرث نضالي مشرّف

هذا البناء الذي يفاخر الشعب الجزائري بأنّه ينهض على حجر أساس هائل هو دم الشهداء، المُقدَّس الوطنيّ الأوّل، وبهذا الإرث الوطني الحاضر أبداً بحرارة، تتميّز الأجيالُ الجزائرية عن نظيراتها من الأجيال العربية والإسلامية بل عن مُعظَم أجيال شعوب العالم التي تغرق شيئاً فشيئاً في أوحالِ المجتمع الاستهلاكي المُعَولَم وتداعيات نظام التفاهة الكوني. وما يُطمْئن نسبيّاً على هذا الصعيد أنّ الأجيال الجزائريّة الشابة تُقبِلُ بشغف على ينابيع المعرفة والفنون الإنسانية وأنّ النخب الجزائريّة تتمتّع بمناعة وطنيّة تقاوِم بنجاعة محاولات اختراقها من دوائر الاستعمار الحديث وفخاخه فرنكوفونيّةً كانت أو خليجيّة أنغلوفونية متصهينة وتلفظ مَن يقع في هذه الفخاخ والشِّباك بلا شفقة.
وبإشعاع هذا الإرث النضالي يُضاء الموقف الشعبي والرسمي الجزائري المُسانِد بقوّة وصدق لنضالات الشعوب كافّة ضدّ الاستعمار والاستبداد معاً، وخاصّة لنضالات الشعب الفلسطيني الذي تُعبِّر عنه الجزائر بقوة ونجاعة بمناسبة وبدون مناسبة وليس أبلغ تعبيرا عن ذلك مِن وقوف الجماهير الجزائرية في ملعب جزائري مشجعة فريق كرة القدم الفلسطيني في مواجهة فريق كرة القدم الجزائري، الأمْر الذي يؤشِّر مدى رسوخ الحقّ الفلسطيني في الوجدان الجزائريّ النبيل.

تجريم الاستعمار الفرنسي

في هذا السياق نفهم ما أقدم عليه البرلمان الجزائري يوم 24 ديسمبر 2025 عندما صادق على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي للجزائر من عام 1830 إلى عام 1962 بوصفه “جريمة دولة” غير قابلة للتقادُم، مُطالباً باريس باعتذار رسمي وتحمُّل المسؤولية القانونية والتاريخية عن المآسي والعذابات التي ألحقها الاستعمار الفرنسي بالشعب الجزائري على غرار القتل العمد و”محرقة الظهرة” والتجارب النووية في الصحراء الجزائرية والنهب المُمنهَج للثروات وما يترتب على ذلك مِن تعويضٍ “كامل وعادل” عن ما خلّفته هذه الجرائم الفرنسية ضد الإنسانيّة من أضرار ماديّة ومعنويّة . هكذا تتصرّف الدوَل المستقلة ذات السيادة بغية حماية الذاكرة الوطنية وتجريم تمجيد الاستعمار، هذه الظاهرة التي باتت ملحوظة في بعض الدول العربية مشرقاً ومغرباً.

والجرائم الفرنسية ضدّ الجزائريين لم تتوقف عند 182 عاماً من استعمار الأراضي الجزائرية فحسب، بل استُؤنِفت بعد استقلال الجزائر، باستعباد العمّال الجزائريين داخل فرنسا إلى جانب غيرهم من العمّال المهاجرين من شمال إفريقيا. وكأنّه انتقامٌ من هزيمة تاريخيّة عسكرية وسياسية وأخلاقية لحقت بفرنسا سنة 1962 أن تحاولَ باريس “عاصمة الأنوار؟” تقديمَ صورة نمطيّة للشعب الجزائري عبْر العمّال الجزائريين المُهاجرين إليها، ومِن مَعالِم هذه الصورة الجريمة والفوضى الاجتماعيان، علْماً أنّ فرنسا الجمهورية والاشتراكية إلخ كانت تستغلّ هؤلاء العمّال الذين على أكتافهم وبزنودهم السمراء شُيِّدَت عمارات المدن والطرقات والسكك الحديدية والبنى التحتية للصناعة في فرنسا غداة الحرب العالميّة الثانية، إذْ كانت تُوكَل إليهم الأعمال القاسية حتى الإماتة التي يرفض العمّال الفرنسيون القيام بها. وكان العمّال الجزائريون مُجرَّدين من الحقوق الاجتماعية والرعاية الصحية والتعويض عن إصابات العمل جرّاء الانهيارات والسقوط والصدمات الكهربائية والتعرض لمواد سامة مثل الأسبستوس والرصاص المتسببين بأمراض الرئة والتسمم والسرطان. وكانت باريس تدفع لهؤلاء العمّال بأبخس الأجور وتحيط نفسها بأحيائهم الفقيرة البائسة التي تفتقد أبسط شروط الحياة الصحيّة، وتَصِمُ سكّانها بالقذرين وغيْر المرغوب بهم، ناهيكَ عن ما يُجابَهون به مِن إذلالٍ وعُنفٍ خارج هذه الأحياء، وفي الوقت نفْسه تفاخر باريس عينها إيّاها برفع راية الثورة الفرنسية وشعاراتها البرّاقة ” حريّة، مساواة، إخاء”.

تدمير ممنهج

أمّا لماذا غادر العمّال الجزائريون بلادهم بعد استقلالها إلى بلاد المستعمر الفرنسي نفْسه، فالجواب عند “فرانز فانون” الطبيب والمفكّر المناهض للاستعمار. فقد تحدّث “فانون” في كتابه الشهير “معذّبوّ الأرض”(ترجمه إلى اللغة العربية السوريّان سامي الدروبي وجمال الأتاسي) عن كيف دمرت الحربُ اقتصادَ الجزائر الزراعي، الأمر الذي أُجبَرَ نحو 2.35 مليون فلاحاً مِمَّن نجوا من العمليات العسكريّة على اللجوء إلى “مراكز إعادة التجمع” المحاطة بالأسلاك الشائكة والألغام. ودمّرت سياسات الأرض المحروقة الفرنسية 8000 قرية، واستولت على الماشية، وتركت الفلاحين بلا أدوات أو حيوانات. ولاحظ “فانون” أنّ الجزائريين جاؤوا إلى فرنسا لكسب المال وإرساله إلى عائلاتهم، وخاصّة بعد أن استولت فرنسا على وطنهم ودمّرته، للحصول على فرصة لامتلاك أرض مرّة أخرى في الجزائر.

وحسب عالمة الاجتماع “لور بيتي”، في كتابها “العمّال الجزائريون في رينو-بيانكور”، شكّلَ العمال الجزائريون في رينو- بيانكور 14% من إجمالي القوى العاملة، ونحو ثلث جميع العمّال الأجانب. وصُنِّف 95% منهم على “أنهم غيْر مَهَرَة، ووُكِّلوا بأصعب وأخطر الأقسام، ولم تكن لديهم أي فرصة تقريباً للترقية”.

وأحفاد هؤلاء من الجيلين الثالث والرابع هم أيضاً الآن ضحايا ممارسات عنصريّة استعماريّة ممنهجة، ولكن من الضروري الإشارة إلى أنّ عمّال شمال إفريقيا الآخرون، أجداداً وأحفاداً، قد تعرّضوا ويتعرّضون إلى ذات المظالم تقريباً من الاستعمار الفرنسي بنسْختَيه، فإذا كان عدد العمّال الجزائريين في فرنسا قد ازداد بين سنتي 1954و1962، فإنّ هذا لا يُغيِّبُ وُجُودَ عمّالٍ مهاجرين تونسيين ومغاربة يتقاسمون معهم المأساة نفسها، فبحسب كتاب” محفوظ بنون” عالم الأنثروبولوجيا الجزائري “العمّال المهاجرون المغاربة في فرنسا”، واجه هؤلاء العمّال “تفاوتات عرْقيّة وطبقيّة، حيث اقتصرت نسبة 87.2% من الجزائريين، و81.4% من المغاربة، و70.3% من التونسيين على وظائف متدنية الأجر، وشبْه ماهرة، أو غيْر ماهرة، بينما شغلَ العمّال المهاجرون الفرنسيون والأوروبيون وظائف ذات مكانة أعلى وأجور أفضل”.

ولعلّ ما أشار إليه المؤرخ “رولاند تريمبي” بكتابه “نضالات العمّال المهاجرين في بينارويا” يُبيّن لنا الفهْمَ الفرنسي لشعار “المساواة” حين يطبقونه على العمال المهاجرين فيتساوى بذلك الجزائري مع التونسي والمغربي. ففي “مصنع إحدى أكبر شركات التعدين والمعادن بمدينة ليون، قُتل العامل التونسي محمد سالم في 19 ديسمبر 1971، عندما سقطَ غطاءُ فرْن يَزِن 1500 كيلوغراماً بسبب سلسلة مهترئة. وعندما حاولت الشركة التستُّر على الحادثة بإخفاء السلسلة المكسورة واستبدالها وإجبار العمّال على الكذب، أحضرَ أحدُ العمّال السلسلة القديمة إلى المفتِّشين، كاشفًا الحقيقة. مما أفضى إلى إضراب مُشترك للعمّال الجزائريين والتونسيين والمغاربة في 9 فيفري 1972”.

مواجهة الماضي

هذه الحادثة من سبعينات القرن الماضي يمكن أن تُلْهِم ليس فقط بقيّة دول المغرب العربي بل جميع الدول التي سبق أن رزحت تحت نير الاستعمار الفرنسي ولا زالت تعاني من تداعياته بأن تحذو برلماناتها حذو البرلمان الجزائري. فالعدالة الحقيقيّة لن تُنْجَز إلّا بمواجهة الماضي وتصفية عقابيله، فمجرم الماضي ليس فقط يصرّ على الإنكار الوقح، بل سرعان ما يُطلّ بوجهه الإجرامي بين الفينة والأخرى. وواقع الحال أنّ فرنسا لم تشفَ مِن سُعارها الاستعماري وكأنّ الأمر يتعلّق بإدمان دولة على الاستعمار والظلم وارتكاب الجرائم ضد الشعوب الأخرى, ففي عهد “ميتران” كانت شريكة في الحرب على العراق، وفي عهد “ساركوزي” تُفاخِر بأنّها قادت الحرب على ليبيا، وفي عهد “ماكرون” حاولت بخطاب منافق يدّعي حرصها على “حلّ الدولتين” بينما ليس فقط لم تُقدِمْ على الاعتراف بالدولة الفلسطينية أسوة بـ 157دولة عبر العالم بينها عدّة دول غربية، بل شاركت بخمسة آلاف جندي في الحرب على غزة والآن يجرّ الرئيس الأمريكيّ “دونالد ترامب” تابعه الفرنسي “ماكرون” للمشاركة في الحرب الصهيو أمريكية على إيران، وعلى جبهة أخرى وصلت بباريس الحماسة حالياً في دعم الدمية “زيلينسكي” أن تعمل بنشاط محموم إلى جانب لندن على تزويد أوكرانيا بأسلحة ومعدّات نووية وإيصالها سرّاً إلى “كييف”. وحسب ما يدور في هذا الشأن “يجري النظر في استخدام الرأس الحربي النووي الصغير من طراز TN75 من صاروخ M51.1 الباليستي الذي يطلق من الغواصات، كخيار مطروح”.

نفاق مفضوح

يحدث هذا بينما تُشَنّ الحرب على إيران بذريعة سعيها إلى سلاح نووي. بل إنّ باريس التي مكّنت “إسرائيل” من السلاح النووي أواخر خمسينات القرن الماضي، تتقاسم الآن مع واشنطن وغيرها من العواصم الغربية الاستعمارية الإعلان بوقاحة أنّ “إسرائيل” يجب أن تبقى الدولة النووية الوحيدة في المنطقة.

ولم يقتصر السلوك الاستعماري الفرنسي على المشاركة في الحروب الصهيو إمريكية محرقة البشرية المعاصرة، بل ما فتئت تتدخّل في الشؤون الداخليّة للدوَل التي لا تزال تنظر إليها بعينيّ المستعمر القديم، فكلّنا يذكر كيف ظهر السفير الفرنسي ونظيره الأمريكي لدى دمشق سنة 2011 بين المتظاهرين ضدّ النظام الوطني في مدينة حماة مُدشِّنَين الحربَ الإرهابيّة الدولية على سوريّة التي أفضت إلى تسليم سدّة الحكم بدمشق إلى تنظيم “القاعدة” الإرهابي، بعد 14 سنة من محاصرة الشعب السوري اقتصاديا وإرسال عشرات آلاف الإرهابيين من مرتزقة وتكفيريي العالم لإباحة دمه وتدمير دولته ومحاربة جيشه. والآن لا يخفى على أحد احتضان باريس وغيرها من الدول الغربية لأراهيط العملاء والمرتزقة من ضعاف النفوس الذين تراهن مخابراتُها على تحريكهم كأحصنة طروادية ضد بلدانهم حين تأزف الساعة المناسبة للتحرُّك ضدّ هذه الدولة المُستَهدَفة أو تلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى