إسلامنا الجميل: رمضان..محطة الروح العظمى

تصدير :
رمضان، شهرٌ جعله الله تعالى تاسع الشهور الهجرية،وجعل صيامه رابع أركان الإسلام،فكان فريضة تتجلى فيها معاني العبودية الخالصة، وتمتحن فيها النفوس في أرقى صور التسليم للخالق..
في زحام الأيام وتتابع الشهور، يقبل علينا ضيفٌ كريم،تتوق له القلوب،وتشتاق إليه الأرواح،وتتهلل بقدومه الأسارير.إنه شهر رمضان المبارك،سيد الشهور،وموسم الخيرات الحسان،الذي تتنسم فيه الأرواح نسائم الرحمة،وتغتسل فيه الذنوب بماء المغفرة،وتُرفع فيه البشائر بالعتق من النيران.
شهرٌ جعله الله تعالى تاسع الشهور الهجرية، وجعل صيامه رابع أركان الإسلام،فكان فريضة تتجلى فيها معاني العبودية الخالصة،وتمتحن فيها النفوس في أرقى صور التسليم للخالق.
شهر عظيم…
وفي هذا الشهر العظيم، تتدلى من سماء الرحمة بريد إلهي عظيم،فقد قال سبحانه: “شَهْرُ رَمَضَان الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضا أَوْ عَلَىٰ سَفَر فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (البقرة: 185).
إنه الشهر الذي تفتح فيه السماء أبوابها، فتُصفد الشياطين،وتُغلق أبواب النار،وتُفتح أبواب الجنان. شهر تتزين فيه جنات الخلد لعباده الصائمين، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر،حيث تتنزل الملائكة بالروح والرحمة حتى مطلع الفجر.
مدرسة عظمى
وإذا تأملنا جوهر الصيام، نجده ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب،بل هو مدرسة عظمى في تهذيب النفوس وتربية الإرادات.إنه شهر الصبر الذي لا يتجلى في عبادة كما يتجلى في الصوم، ففيم يحبس المسلم نفسه عن شهواتها ومحبوباتها،طاعة لله وابتغاء مرضاته.ولذلك كان الصوم نصف الصبر،وجزاء الصبر الجنة،قال تعالى: “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُون أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب” (الزمر: 10).
ومن رحمة الله بعباده أن جعل لهم في العام محطة إيمانية فريدة،تأتي مرة واحدة،ليعيدوا فيها شحن قلوبهم،وتصفية أرواحهم،وتقوية صلتهم بخالقهم.لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على اغتنام هذا الشهر أعظم الحرص،ويحذر من التفريط فيه بقوله: “رغم أنف من بلغ رمضان ولم يغفر له” (رواه الترمذي).
إنها صيحة تحذير لمن يمر بهذا الموسم العظيم وكأنه أيام عادية،لا تميز فيها عن سائر الأيام.
وقد أعان الله عباده في هذا الشهر بسبلٍ شتى تعينهم على الطاعة، من أعظمها تصفيد الشياطين، كما صح عن النبي صلى اللهعليه وسلم: “إذا جاء رمضان صفدت الشياطين”. فإذا كانت العقبة الكبرى قد أزيحت عن الطريق،فما أعظم فرصة المؤمن ليتفرغ للعبادة والطاعة، طويسابق إلى الخيرات،ويغتنم القدر الأكبر من الحسنات!
والبشرى الكبرى أن الله جعل القيام بهذا الشهر سببا لمغفرة الذنوب،كما بشر النبي صلىاللهعليهوسلم: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر ما تقدم من ذنبه” (متفق عليه).
إنه عطاء إلهي لا محدود،لمن أحسن استقبال الضيف وأكرم وفادته.
والمتأمل في سير الناجحين عبر التاريخ يجدهم يبذلون أقصى جهدهم في الإعداد والاستعداد. فالطالب المتفوق يخطط لسنة دراسية ناجحة قبل بدايتها،والعداء الماهر يُحمّي جسده قبل السباق بأشهر.فكيف بمن يريد الفوز برضوان الله وجنته؟
لقد كان سلفنا الصالح يعدون لرمضان قبل ستة أشهر بالعمل والإخلاص،وبعد انقضائه يظلون ستة أشهر يسألون الله القبول،في دورة إيمانية متصلة لا تنقطع.
وهكذا،ونحن نعيش تجليات هذاالشهر الكريم، نستلهم من هديهم العظيم دروسا في الاستعداد. فتهيئة النفس والأهل والبيوت لاستقبال رمضان ليست ترفا روحيا، بل هي ضرورة إيمانية وسنة نبوية،فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان،ويحفزهم على اغتنامه.
جوهر الذات
إن شهر رمضان ليس مجرد طقس ديني نؤديه ثم نطوي صفحته،بل هو ثورة تغيير شاملة تمس جوهر الإنسان في كل أبعاده.إنه فرصة ذهبية لإعادة برمجة الذات،وتصحيح المسار،والتحرر من قيود العادات والرتابة.ففي هذا الشهر،يتدرب الإنسان على الإرادة القوية التي تتحكم في الشهوات،لا التي تتحكم فيها الشهوات.إذ يتعلم الصائم كيف يكون سيدا على جسده لا عبداً لبطنه، وكيف يرتقي بروحه إلى آفاق التسامح والعطاء.
وهنا يتجلى البعد الاجتماعي العظيم للصوم، حيث يشعر الغني بلوعة الجوع،فيتحول الألم إلى دافع للعطاء، فتكف الأيدي،وتسخو النفوس، وتعم المحبة والتكافل.
إنه شهر تُفتح فيه أبواب الجود،فيضاعف المؤمنون صدقاتهم،ويحرصون على تفطير الصائمين، طالبين الأجر العظيم الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم: “من فطّر صائما كان له مثل أجره،غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء” (رواه الترمذي).
ولعل لرمضان تأثيرا استثنائيا على أرباب الأقلام وأهل الفكر والإبداع،فهو يمنحهم مساحة من الصفاء الذهني والروحي،تجعلهم أكثر قدرة على التأمل والإبداع.فحين يهدأ الجسد المادي وتخفت متطلباته اليومية،تتحرر الروح لتحلق في فضاءات المعنى،وتنصت إلى همس الوجدان.
السكينة والتفرغ
إنه الشهر الذي يمنحنا طقوس التأمل والسكينة والتفرغ، حيث ننسج مع ذواتنا خيوطا روحية متجددة،ونبتعد عن زعيق الحياة اليومية،لنغوص في أعماقنا،ونبحث عن ذواتنا المفقودة في رتابة الأيام.
فلنستقبل هذا الضيف العظيم بقلوب نقية، ونفوس طموحة،وأرواح عطشى إلى فيض الرحمة.ولنجعله محطة انطلاق نحو الأفضل، وتغيير جذري في حياتنا.فلربما كان هذا الرمضان هو بداية عهد جديد مع الله،صفحة بيضاء نكتبها بأعمالنا الصالحة،علّها تشهد لنا لا علينا.
اللهم اجعله شهر الجبر والعوض لقلوبنا،وبداية خير تشرق بها أيامنا.اللهم بشرنا فيه بما يسرنا، وحقق لنا فيه ما نتمنى،واجعلنا فيه من عتقائك من النار.اللهم إنا ننتظر منك فرحة تغير مجرى أيامنا،فبشرنا بها يا أكرم الأكرمين.
صوماً مقبولا وذنبا مغفورا وعملا صالحا مرفوعا.
محمد المحسن




