صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ الميداني بن صالح (1929-2006): صاحب ‘قرط أمي’

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

“ورنت لي
ودموع العين تجري
خذه يا ابني
إنه ذخري الأخير
لك يا كنزي الكبير
إنّ هذا القرط من كدّ يميني
إنّ أسلاكه من نور عيوني
وتجاعيد جبيني”.
هكذا كانت تحنو الزهرة لرقش على ابنها الميداني بن صالح وهو يتأهّب للسفر من مدينة نفطة نحو تونس لخوض مغامرة الوجود.
هكذا اضطرّت عائلته لبيع القرط كنزها الوحيد لأنّ بيتنا بما فيه لا يساوي ثمن تذكرة السفر”.
يقول محمد العروسي المطوي (1920-2005) في تقديمه لديوان ‘قرط أمّي’ الصادر عن الدار التونسية للنشر عام 1977: ‘قرط أمّي’ إنّما هو صورة طبق الأصل لصاحبه في وجوده الذاتي وفي علاقته بالناس وفي نظرته إلى الكون’.

البدايات في نفطة

ولد الميداني بن صالح بنفطة يوم الخامس عشر من شهر نوفمبر من سنة 1929.
حفظ القرآن الكريم في كتّاب جامع ابن الوعائد ثمّ التحق بالمدرسة الفرنسية العربية بمدينته، ثمّ واصل تعليمه بالزيتونة في الحاضرة ومنها انتقل إلى بغداد للدراسة في جامعتها التي أحرز منها الإجازة في التاريخ، فما كان منه إلا أن يردّ التحيّة إلى أرض الرافدين فأهداها ديوانه ‘في رحاب المتولّي’ الصادر عام 2004: ” العراق التي أشرق منها فجر أوّل حضارة إنسانية كحلت الأعين وأضاءت الأدغال والكهوف، فكان لأهلها فضل الريادة باختراع الخط المسماري سنة 3500 قبل الميلاد وكانت ملحمة جلجامش وهي تعدّ من أعظم شوامخ الأدب العالمي وكان قانون حامورابي الذي يعدّ أقدم شريعة في تاريخ العالم”.
ثمّ إثر رجوعه للوطن ومباشرته التدريس بالمعاهد الثانوية بدا له أن يواصل تعليمه العالي بإعداد أطروحة حلقة ثالثة فكان السفر إلى باريس حيث التحق بأعتى الجامعات : السربون، ولكن مهنة التدريس والشغف بالبحث لم يصمدا أمام هذا “المارد” الذي ملك الميداني وأحاط به فكان ما ليس منه بد أي ميلاد شاعر غريب.

في لمح البصر..

يقول محمد صالح الجابري في مدوّنة “الشعر التونسي المعاصر” الصادر عن الشركة التونسية للتوزيع عام 1976: ” إنّ غرابة الميداني الحقيقية ليست في طابعه ‘الصعلوكي’ الذي يتميّز به عن سائر شعرائنا ولكن تبدو بجلاء في الطريقة التي اقتحم بها ميدان الشعر كواحد من الذين حققوا في لمح البصر الشهرة التي ظلّ غيره يعمل على اكتسابها عشرات السنين”. ص 698.
ويضيف على ذكر صعلكة الميداني: ” تشابه سيرة حياته سيرة الشنفرى أو عروة بن الورد”.
لقد انتصب الميداني ناصرا للكادحين:
“شعري لُهاث الكادحين على الدروب
شعري أهازيج الشعوب
من صارعوا الأمواج والبحر الغضوب
من غالبوا الأقدار واقتحموا الخطوب.”
ولعلّه يعدّ نفسه واحدا من هؤلاء المغالبين للأقدار:
“أنا ألوف مخلص شهم الطباع
لقنتها علّمتها قبل الرضاع
ربيت في لجج الصراع
رضعت من لبن السباع
أصارع الأيّام وحدي
صامدا أبدا شجاع”.
لقد أصدر الميداني عددا من الدواوين بعد “قرط أمّي” مثل ‘الليل والطريق’ سنة 1974، الشركة التونسية للتوزيع، و’مذكرات خمّاس’ الصادر عام 1977، مؤسّسات بن عبد الله، و”الصوت الخالد” عام 1981، وزارة الثقافة والإعلام بالعراق، “الوحام” عام 1988، الشركة التونسية للنشر وفنون الرسم، “الأقنعة” عام 1988 الدار العربية للكتاب، “في رحاب المتولي” عام 2003 دار الإتحاف للنشر.
كما نشر أوبريت “زلزال في تل أبيب” عام 1974، الدار التونسية للنشر.

قيمة ثابتة

كتب المنعّم عثمان بن طالب في تقديم ديوان “في رحاب المتولي” : ‘الشاعر الميداني قيمة ثابتة قد تشيخ لغته وأساليبه ولكن جوهر قضيّته لا يشيخ. من ديوان إلى آخر من قصّة الهجرة من بلاد الجريد في رحلة بناء الذات إلى محطّات الدنيا بمرّها وحلوها”.
من بين محطّات هاته الرحلة يذكر الميداني السنين الخمس التي قضّاها في كهف أبي الحسن الشاذلي”.
“حلقات الذكر والله وأنوار الشموع
وتراتيل دعاء وتسابيح جموع
وسحابات بخور ملأت كهفي قدسا
وانتشاء وخشوع”
كان تونسيّا حتّى النخاع:
” أنا من تونس صوت لربيع
أخضر الأعطاف يسبح
يتهادى في حبور
أنا من أرض ثراها
من أريج العطور”.
وكان بالموازاة قوميّا ولكن مع شدّة.
لقد ألقى قصيدة في مهرجان الشعر بتونس عام 1973 فصرخ:
“نلتقي اليوم لنستصرخ نستجدي نبكي في غباء
ننشد الأشعار
نستعرض ألوانا من القول
لندعى أدباء
ولنا أرض وزيتون وأهل قربا
شرّدوا بالأمس من موطنهم
تبّت الأيدي
وتبْ يد من باع الجماهير
وخان العربا”.

خاض الميداني ميادين أخرى من العطاء والبذل إذ أنّه ترأّس رابطة القلم الجديد ثمّ ترأّس اتحاد الكتاب التونسيين من سنة 1991 إلى سنة 2005 وهو أحد مؤسّسيه، كما أنّه ترأّس الملحق الثقافي بجريدة “الشعب” لسان اتحاد الشغل الذي انضمّ إليه منذ سنة 1954 وهو كذلك أحد مؤسسي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1977.
كان بالخصوص مفتونا بنور الجريد الذي هو كما نعته أبو القاسم الشابي “ظل الإله”:
“هذه النخلة لي
إنّها ذاتي وكنهي
إنّها الجزء الذي أصبح كلّي”.
غادر الميداني بن صالح هذه الدنيا يوم الحادي والعشرين من شهر جويلية عام 2006 بأريانة ودفن في مقبرة سيدي فرج الله بنفطة.
كان يقول رحمه الله:
” أنا إن متّ وأفناني احتراقي
يا رفاقي
فاعلموا إنّ احتراقي
هو بدء لانعتاقي
وانطلاقي”
لقد أسندت إليه بعد وفاته بلدية أريانة اسمه ـ وقد كان تولى عضويّة مجلسها الرابع بعد الاستقلال (1966-1969- لنهج في تقسيم رياض الورد بجوار الشاعرين المنعّمين محي الدين خريف ومحمد الصغير أولاد أحمد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى