نوفل سلامة يكتب: نظام عالمي جديد يحدده عقل ومشاعر الرئيس ترامب!


كتب: نوفل سلامة
انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة ألمانيا النازية و ايديولوجيتها التوسعية التي بنى عليها الزعيم النازي أدولف هتلر عملياته العسكرية وسياساته التوسعية القائمة على فكرة ‘المجال الحيوي’،
المفهوم الذي ابتكره الجغرافي الألماني فريدريك راتزل لتبرير ما قامت به ألمانيا النازية من ضم المزيد من الأراضي والاستيلاء عليها للشعب الألماني…
وبه وضع ألماني آخر كارل هوسهوفر الأساس النظري الذي مكّن هتلر من غزو العديد من دول أوروبا الشرقية وافتكاك أراضيها بعد أن أعاد صياغة المفهوم، واعتبر أن الدولة هي كائن مكاني حيّ وكي تتمكن من البقاء والنمو عليها أن تُوسّع هذا المجال لحماية مصالحها الآخذة في التوسع، ودون ذلك ستكون مصالح الدولة ونموها في خطر، وقد لا تقوى على البقاء…
وبالتالي فإن على الدولة أن تحمي مجالها الحيوي وتحرص على توسعه بالتوازي مع توسع نفوذها ومصالحها…
عقيدة مركزية
ومع هتلر تحول مفهوم المجال الحيوي الى عقيدة مركزية تبنتها ألمانيا النازية في مرحلة الحرب العالمية وبفضله أصبحت حدود الدول متحرّكة وفقدت ثباتها وبفضله أصبح مخولا للدول الكبرى أن تذهب إلى أي مكان تريد وتقوم بالاستيلاء عليه طالما أنه مفيد لمجالها الحيوي وضروري لأمنها القومي.
هذه الفكرة وهذا المفهوم للمجال الحيوي الذي طبع مرحلة مؤلمة من تاريخ أوروبا في حربها مع ألمانيا النازية والذي ظن الجميع أنه اختفى مع الحقبة النازية وهزيمتها على أيدي الحلفاء، نجدها اليوم تعود بقوة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعاد إحياء فكرة المجال الحيوي لتبرير ما قام به في فنزويلا من اختطاف لـ رئيس نيكولاس مادورو وما صرح به من تهديد لافتكاك جزيرة غرينلاند الدنماركية أو شرائها بالقوة…
كل العالم مجال أمريكا!
لكن الجديد اليوم أن الرئيس الأمريكي تجاوز الفهم النازي للمجال الحيوي وذهب الى أبعد مما ذهب إليه هتلر، فإذا كان الزعيم الألماني قد اعتمد على هذا المفهوم لضم أراضي قريبة من ألمانيا والاستيلاء على دول حدودها مجاورة لألمانيا لحاجة الأمن القومي الألماني إليها، ولم يتجرأ على الذهاب إلى أبعد من دول أوروبا الشرقية، فإن ترامب قد وسع في فكرة المجال الحيوي وتجاوز الصياغة الأولى للمفهوم كما وضعه منظرو ألمانيا النازية وذهب إلى فهم للمجال الحيوي جعل من كل العالم مجالا حيويا لأمريكا…
وكل الدول مهما كانت حدودها بعيدة قد تكون أمنا قوميا لها إذا ما قرّر ترامب ذلك، وبهذا يكون مفهوم الدولة الحديثة الذي يفتخر به العقل الغربي القائم على الالتزام بإحترام حدود الدول الواضحة و المعترف بها إقليميا وترابيا لا معنى له ولا قيمة، وهذا يعني أن مفهوم المجال الحيوي كما يفهمه ترامب ويُطبقه لا يعترف بحدود للدول ولا بسيادة على أراضيها ولا باستقلال ولا بقانون دولي ينظم العلاقة بين الدول ويحتكم إليه الجميع..
لا قيود ولا ضوابط
فـ دونالد ترامب يتصرف على أساس أنه لا وجود لقيود على سلطته ولا ضوابط لتصرفاته ولا حدود لقراراته سوى ما يمليه عليه عقله وما تُشير به أحاسيسه ورغباته ونظرته للأشياء القائمة على منطق البيع والشراء وإبرام الصفقات المشروطة، والتفاوض القائم على الابتزاز..
وقد أقر ترامب بهذا السلوك صراحة خلال مقابلة مطولة أجراها مع صحيفة “نيويورك تايمز”، إذ قال في جواب على سؤال عما إذا كانت إدارته تشعر بأنها مقيدة بالقانون الدولي ” أن ذلك يتوقف على التعريف والفهم الذي نقدمه للقانون الدولي وفي كل الأحوال، فأنا لا أحتاج إلى القانون الدولي”.
قانون خاص بي!
وهذا يعني أن الرئيس الأمريكي أمام مصالح بلاده التي يحددها بمفرده وتحددها نزواته ورغباته وما يشير به عليه شيطانه ومن دون الرجوع إلى أي ضابط من تشريع وقانون دولي، ولا يعترف بالمعاهدات ولا بالاتفاقيات الدولية ولا يكترث للقانون الدولي الذي يحتكم إليه العالم وحتى الهيئات الدولية فهو يعاديها ولا يعترف بها هي الأخرى وقد صرح في هذا الحوار الصحفي أن القيد الوحيد الذي يمكن أن يتحكم في سلطاته هو حسّه الأخلاقي وعقله هما الشيئان الوحيدان القادران على إيقافه”..
إن الخطير في هذا التصور الجديد الذي يقدمه ترامب للعلاقات الدولية وهذا الإحياء الذي قام به لفكرة المجال الحيوي والصياغة الجديدة التي أعطاها له، ويعمل على تطبيقها في سياساته الخارجية وفي علاقة بلاده بمختلف دول العالم أن الإنسانية مُقدمة على تحولات كبرى ومنعرجات حادة قد تقوض السلم والأمن العالميين وتجعل العالم مُقبلا على تغيرات مفصلية وملامح خريطة سياسية واقتصادية وحتى اجتماعية جديدة لا علاقة لها بما يقوم عليه النظام العالمي الحالي، وعلى حقبة وسياق تاريخي قد يفتح الباب إلى حروب مختلفة وحالات استعمار جديد بتعلة حماية المجال الحيوي وتطبيقات أخرى.. غير ما يهدد به ترامب تقوم بها دول أخرى كروسيا والصين وإسرائيل بدواعي الأمن القومي..
صدامات كبرى قادمة
ما يجعل الإنسانية في مستقبلها سوف تعرف قيام صدامات سياسية كبرى لم يتوقع بها المفكر فرانسيس فوكوياما صاحب كتاب نهاية التاريخ و لا توقع بها صمويل هنتنغتون ونظريته حول صدام الحضارات فالصدام هذه المرة ليس ثقافيا ولا دينيا وإنما هو صدام من نوع آخر، صدام عسكري مدمر بدعوى تأمين حياة أفضل للأجيال القادمة و حماية الأمن القومي للشعوب الذي يفرض الحصول على المزيد من الموارد الطبيعية وامتلاك الكثير من موارد الطاقة..
وهذا لا يتحقق وفق رؤية ترامب لفكرة المجال الحيوي إلا بالاستيلاء والاستحواذ على أراضي شعوب أخرى وافتكاك مواردها الطبيعية بالقوة، ودون مراعاة لأي قانون دولي ولا رجوع لأي منظمات دولية وبهذا تكون البشرية مع الرئيس ترامب قد عادت إلى حالة الطبيعة الأولى والفوضى ووضع البقاء للأقوى والأصلح ومرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية أين تم تبرير استعمار الشعوب واستعباد البشر وحتى إبادتهم للهيمنة والاستفادة من مقدراتهم من نفط وغاز ومعادن طبيعية أخرى.
عصر جديد
اليوم مع صعود التيارات الشعبوية وخاصة شعبوية الرئيس دونالد ترامب واستنجاده بفكرة المجال الحيوي النازية وإحيائها من جديد فإن الإنسانية تنهي مرحلة كاملة من حياتها كانت الصراعات والحروب فيها ثقافية و أيديولوجية و معرفية ودينية وحضارية وعسكرية تقليدية وتدخل عصرا جديدا ولكنه أكثر خطورة تقوده فكرة المجال الحيوي المدمرة لتبرير التوسع والهيمنة والاستيلاء على الموارد الطبيعية للشعوب بالقوة، والغصب والإكراه والترهيب.
نظام عالمي مجنون غير مسبوق تخلى عن عقله وقطع الصلة مع سياسة الاحتواء القديمة وسياسة الحوار والاحترام المتبادل وهدم كل البناء التشريعي الذي تكونت في ظله المنظمات والمؤسسات الدولية، يبشر بنظام كوني بديل الكون برمته مهدد بالدمار وباندلاع حروب عسكرية لاستعمار الكون كله إن لزم الأمر وظهور خريطة سياسية جديدة للعالم الضابط الوحيد فيها هو فكرة المجال الحيوي وملامح هذا التحول الكوني ملامحه بادية فيما حصل من غزو روسي لأوكرانيا واحتلال الكيان لفلسطين وقبل ذلك غزو أمريكا للعراق للتحكم في مخزونها الهائل من النفط، وغير ذلك من صور التهديد بالاستيلاء على دول مستقلة واحتلال شعوب مسالمة.
استعمار من نوع آخر
هذا هو شكل النظام العالمي الجديد وصورة الكون في ظل فكرة المجال الحيوي كما طور صياغتها المعاصرة الرئيس ترامب، عالم وكون لا حدود جغرافية محترمة فيه ولا سيادة كاملة للدول ولا استقلال معترف به ولا قانون دولي يحتكم إليه…
عالم سوف يعرف تطبيقات استعمارية جديدة ليس بداعي تحضير الشعوب وتمدينها العقيدة التي قام عليها الاستعمار القديم، وإنما بداعي حماية الأمن القومي للدول الكبرى وحاجة مجالها الحيوي إلى مزيد من التوسع لضم أراضي أخرى تحت سيادة شعوب أخرى باستعمال القوة.




