صالون الصريح

محمود الحرشاني يكتب: حتى نحمي اللغة العربية مما يتهددها من مخاطر..

Mahmoud Horchani
كتب: محمود الحُرشاني *
يصادف يوم 18 ديسمبر من كل عام اليوم العالمي للغة العربية، وكم كنّا نوّد أن تتعدد التظاهرات والاحتفالات بهذا اليوم تكريسا واعتزازا بمكانة لغتنا، لغة القرآن، وأكرم به من شرف أن يكون كلام الله قد نزل على النبي الكريم بهذه اللغة دون سائر اللغات الاخرى، إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ وستبقى اللغة العربية محفوظة ما حفظ كلام الله.
وليست اللغة العربية بقاصر او دون بقية اللغات الأخرى وهي تحتاج الى تطوير وتجديد لتكون مواكبة لروح العصر..يقول عميد الأدب العربي طه حسين في هذا السياق: ‘اللغة العربية ملك لنا ونحن نملكها كما كان القدماء يملكونها ولنا ان نضيف إليها ما استطعنا من التراكيب والألفاظ’..
تحديات كبرى
وتواجه اليوم اللغة العربية عدة تحديات أمام هذه الكتابة العشوائية على وسائل التواصل
الاجتماعي، وحتى في بعض الصحف حيث تكثر الأخطاء اللغوية..وبين يديّ كتاب بعنوان لغة الصحافة يتحدث عن الأخطاء اللغوية في الصحافة المصرية يرثي فيه الكاتب حال اللغة العربية بعدما دبت إليها الأخطاء من باب صاحبة الجلالة…وينبه علماء الاتصال الى الخطر الذي أصبح يهدد اللغة العربية
جراء اعتماد بعض الإذاعات اليوم لغة هجينة في البرامج التي تتوجه بها الى المستمعين ووصل الخبر حتى الى نشرات الاخبار التي أصبحت تُقدّم في عديد الإذاعات باللغة الدارجة بدعوى ايصال المعلومة الى المستمع بأيسر الطرق.
إننا ناسف على زمن كانت تقدم فيه نشرات الاخبار واغلب البرامج الاذاعية في الإذاعات باللغة العربية الصحيحة كتابة ونطقا، أما اليوم فقد حوّلت وسائل الإعلام الجماهيرية وجهتها نحو اللغة الدارجة واهملت اللغة العربية، في الوقت الذي كان من المفروض أن تساهم وسائل الإعلام الجماهيرية
في دعم مكانة اللغة العربية وأن تعمل على تشجيع التواصل والتخاطب بها على الأقل في البرامج التي تكون مفتوحة للمستمعين.
أخطاء شنيعة
صحيح يستثقل بعض المستمعين هذا الأمر في البداية ولكنهم يستأنسون به في ما بعد ويرتاحون
اليه، إننا نشهد اليوم تراجعا كبيرا في الاهتمام باللغة العربية على حساب تشجيع لغات أخرى وهذا أمر خطير خاصة في أوساط الشباب الذين يقل إقبالهم أو ينعدم كليا على قراءة الكتب الادبية لإثراء زادهم اللغوي والتمرس على التحدث والكتابة باللغة العربية الصحيحة.
ولقد وقفت بنفسي على أخطاء يرتكبها عدد من شبابنا ماكان لهم أن يرتكبوها لو كان لهم زاد ثقافي ومعرفي قوي ولو كانت علاقتهم بالكتاب متينة، هناك اليوم من يكتب //معن//هكذا عوضا عن // معا // وهناك من سمعته يتكلم ويقول في محفل جماعي متحدثا عن ضيف جاء من بعيد // نشكر ضيفنا الذي تجاش مشاق السفر // وهو يقصد هنا تجشم مشاق السفر أي كابد مشاق السفر
أن الأخطاء التي ترتكب في حق اللغة العربية اليوم أخطاء شنيعة وهي أخطاء لا تحصى ولا تعد في الحقيقة وعلاقة شبابنا باللغه العربية كعلاقة سروال عبد الرحمان بحذائه أو أقل
لغة هجينة لا أصل لها
ويبدو ان احد ابرز الاسباب هو استسهال الكتابة على وسائط التواصل الاجتماعي لا هي بلغة عربية ولا هي لغة فرنسية وهي لغة هجينة لا أصل لها ولا فصل تمتزج فيها الحروف والارقام لتُشكل كلاما غريبا.
أصبح اليوم معتمدا في لغة التواصل والتخاطب عبر الفايسبوك والتويتر و الإرساليات الهاتفية.
لا لتشويه اللغة العربية
اننا نعتز بلغتنا الدارجة ونجلها ولا نعاديها ولكننا لا نريد أن يكون ذلك مدخلا لتشويه اللغة العربية لغة الضاد التي ميزها الله عن سائر اللغات بحروف لا توجد الا في العربية وهو حرف الضاد ولذلك سميت اللغة العربية بلغة الضاد.
وهي البحر في احشائه الدر كامن أو لم يقل شاعر النيل حافظ ابراهيم متغنيا بجمال اللغة العربية وثرائها // انا البحر في احشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي //
لغة الجمال والسحر
لذلك قيل إن اللغة العربية هي لغة الجمال والسحر والبهاء ولغة التواصل النظيفة الخالية من الشوائب.
يقول عمر ابن الخطاب تعلّموا العربية فإنها من دينكم، وأعربوا القرآن فإنه عربيّ وغني عن البيان أن سعة هذه اللغة في أسمائها، وأفعالها، وحروفها، وجولاتها في الاشتقاق، ومأخوذ ذاتها البديعية، في استعارتها وغرائب تصرفاتها، في انتصاراتها، ولفظ كنايتها.
إننا إذ نحتفل باليوم العالمي للغة العربية فإننا نريد ان نستنهض الهمم من اجل مزيد إعطاء اللغة العربية مكانتها في تخاطبنا اليومي مشافهة وكتابة وأن نُعوّد أبناءنا منذ الصغر على التكلم باللغة العربية الصحيحة كما يفعل الغرب حتى يشبوا على محبة هذه اللغة كما ندعو الى اعطاء اللغة
العربية مكانتها في مناهج التدريس..
اغرب الغرائب أن يلجأ عدد من المربين اليوم الى اعتماد الدارجة في التخاطب مع التلاميذ في حصص دراسة المواد العربية وان تغيب عن برامجنا الدراسية مواد كنّا ندرسها بكل شغف وكانت تحفزنا على التعلق باللغة العربية وهي حصص القراءة المفتوحة أو المطالعة.
ومازلت أذكر كيف أن أستاذنا في مادة العربية كان لا يتسامح أبدا مع أي تلميذ لا تكون مشاركته في القسم باللغة العربية او يحاول ان يتكلم بالدارجة..وأخطر ما وقفت عليه في حياتي ان بعضهم يفسر العربية بالفرنسية، فلا حول ولا قوة الا بالله..

* كاتب وصحفي أول

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى