محمد الحمّار يكتب: بأيّ لسان نُبَلغ ما نريد حتى تتحقق أدعيتنا؟


كتب: محمد الحمّار
ما من شك في أنّ توجه المؤمن إلى ربه بالدعاء يُعد أفضل أصناف التكلم ذلك أنّ متقبل الكلام هو الخالق والداعي هو إنسان ذو رغبة قصوى في تحقيق أمنية.
لكن ماذا إذا كان الداعي الطالب لتحقيق أمنية هو المجتمع بأكمله، المجتمع الطموح إلى الرقيّ الحضاري بفضل كفاءة معرفية وعلمية؟ يبدو الأمر مستحيلا إذا أسلمنا بأنّ الدعاء مسألة شخصية بالأساس، لكن هاته الاستحالة تفقد معناها ما أن فكرنا في تربية الصغار، في المدرسة، على صياغة الكلام بشكل يستهدف اكتساب الاقتدار العلمي. حينئذ يمكن أن نطمح إلى تَشكلِ مجتمع تواق إلى المعرفة والعلم وبالتالي قادر على صياغة “دعاء جماعي” في السياق نفسه.
المدرسة ورشة؟
ماذا يمكن أن تفعله المدرسة للمتعلم حتى يكون، في ما بعد، حين تنضج شخصيته فيصبح جزءا من المجتمع، قادرا على التعبير بواسطة كلام، لا أقول علميا فهذا هراء، وإنما بكلام يستبطن التفكير العلمي من بين بطانات أخرى مثل الفن والأدب والتكنولوجيا؟
من الضروري أن تصبح المدرسة ورشة لتمكين الصغار والشباب في مجال ليس قبله مجال من حيث الأهمية والخطورة، مجال تعلم اللغة والتكلم.
تدريب اللسان
إنّ كسب الكفاءة في التعبير عن شيئ ما بواسطة اللغة، بالنسبة للمتعلم المبتدئ أولا وما ينجرّ عن تلك الكفاءة لاحقا من نتائج في مجال العبادة الشخصية (الدعاء) وكذلك في مجال الرغبة الجماعية في التقدم، يتطلب مرحلتين اثنتين: في مرحلة أولى، ينبغي الحرص على أن يُعبر المتعلم عن أحاسيسه وأفكاره، في كافة مجالات حياته، باللغة الأُم. واللغة الأمّ هي الدارجة. في المرحلة نفسها لا بد أن يدرب المتعلم لسانه على وصف ما يراه وما يتذكره وما يتخيله بواسطة مفردات وتعابير وأساليب من صميم لغته الأُم. مع مرور الوقت ستتحسن شيئا فشيئا كفاءته على صياغة خطاب يستجيب أكثر فأكثر لتطلعاته وطموحاته.
طبعا سينعكس هذا في ما بعد إيجابيا على جودة دعاء المؤمن، سواء حول الدنيا أو حول الآخرة. وهذا مما سيستوجب أن يستغنيَ الداعي شيئا فشيئا عن الأدعية المأثورة. اللهم إلا إذا كان الداعي من المقتدرين في النطق بالفصيحة، لسان تلك الأدعية، اللهم إلا إذا استطاع أن يتمَثلها في قلبه وعقله وقت إنجاز الدعاء. وهذا يتطلب منه أن يكون جدّ مقتدر في فهم اللسان الفصيح نظرا لأنّ الأدعية المأثورة صِيغت بالفصيحة. كثيرة هي الأدعية المأثورة. راقية هي لكن ليس كل واحد بقادرٍ على تمثلها حتى تصبح لكأنها ملكٌ للداعي. من لا يتمَلك اللسان الفصيح لا يستطيع تبليغ الدعاء بكل جوارحه. لهذا السبب يتوجب على من لا يستطيع التبليغ بفصيح اللسان تبليغ الدعاء باللسان الدارج، العامي.
أما المرحلة الثانية التي تخص تعَلم الكلام ، بدءً بالمدرسة ثم استمرارا خارجها فهي مرحلة تحويل الكلام الذي تمت صياغته بالدارجة إلى كلام بالفصيحة.
تبليغ الرسالة
إنّ الميزة الأهم عند تبليغ رسالة ما، عامة كانت أم في قالب دعاء، تبليغها بالعامية قد تبدو من أول وهلة مُدعمة لِشرط التخلي عن الفصيحة، إلا أن الأمر ليس كذلك. فالتخلي عن الفصيحة إجراء ظرفي حيث إنّ التبليغ بالعامية يفرش البساط لتطوير الفصيحة من أجل أن تصبح لسانا مُعبّرا بشكل أكثر فأكثر قُربا من كيان الإنسان العربي المسلم، بخصوص الهوية وبخصوص الشخصية، وكنتيجة لذلك، بخصوص التعاطي مع التعبير عن علاقته بالكون وبالطبيعة وبالمجتمع، أي بخصوص التعبير الأدبي ثم العلمي والتقني. فالتعبيرات المنجَزة بواسطة العامية سوف تنتقل بطبيعة الحال إلى تعبيرات بالفصيحة وذلك عن طريق المتخصصين في تدوين الآداب والعلوم.
هكذا، في حال تَوفرِ الوعي والكفاءة لدى المتعلمين في مجال التعبير الأمين عن ذواتهم وعن محيطهم وعن حاجياتهم وعن تطلعاتهم، وفي حال توفر نفس الشروط لدى من هم على دعائهم حريصون، فسيؤول هذا وذاك إلى تحقيق الأماني، الشخصية والجماعية. كيف لا وقد يكون الإنسان العربي المسلم، ومجتمعه، حينئذ قد صارا قادرَين على العمل بأريحية مع وسائل التبليغ الصحيحة التي ستمكن الجميع من تحقيق الذات وذلك بفضل إنجاز الأعمال التي من شأنها الرفع من مستوى المسلمين ومجتمعاتهم.
على هاته الشاكلة يكون الإنسان العربي المسلم، ومجتمعه، قد استهلا السير على السكة المستوية.




