متفرقات

الإنفاق في ليلة رأس السنة: بين ضغط التقاليد..وواقع ‘الجيب المثقوب’..!

مع كل نهاية عام، تدور نفس الأسئلة المقلقة في ذهن الكثير من العائلات التونسية: كيف نحتفل؟ وأيضاً: هل يمكننا فعلاً أن نتحمل تكاليف الاحتفال؟

ما بين التقاليد الاجتماعية المتوارثة والضغوط الاقتصادية المتصاعدة، تتحول ليلة رأس السنة “الإدارية” أو “الريفيون” لدى الكثيرين من مناسبة للفرحة إلى مصدر للقلق والندم المالي، خاصة للعائلات متوسطة الدخل التي تجد نفسها عالقة بين مطرقة التوقعات المجتمعية وسندان الإمكانيات المحدودة.

الواقع الاقتصادي يفرض..

في هذا السياق،تُظهر الأرقام بوضوح أن الواقع الاقتصادي اليوم في تونس يُضيّق الخناق على قدرة العائلات على الاحتفال.فبينما يبلغ الحد الأدنى للأجور 528 ديناراً، يرتفع معدل التضخم ليصل إلى نحو 5.5% في سبتمبر 2025، بينما لم تتجاوز الزيادات في الأجور 2.6% .
هذا، وتراجعت القدرة الشرائية الحقيقية للأسر التونسية بنحو 11.1% في 2025 مقارنة بعام 2019، ما يعني أن الأجور لا تستطيع ملاحقة ارتفاع تكاليف المعيشة.هذا الفارق الكبير هو ما يجعل الاحتفال،بصورته التقليدية،عبئاً لا تطيقه ميزانيات كثيرة.

جذور عميقة

لفهم هذا الإصرار الاجتماعي على الاحتفال رغم الصعوبات،يجب العودة إلى الجذور التاريخية والثقافية العميقة.فالاحتفال برأس السنة في تونس ليس ظاهرة طارئة، بل هو تقليد متوارث منذ مئات السنين يرتبط بالفترة البربرية التي عرفت المسيحية مبكراً، وتمازجت مع التقاليد المحلية.
ويشير المختصون في العادات التونسية إلى أن التونسيين يحتفلون بما يُسمى “رأس العام السوري”، وتتضمن طقوسه إعداد أطباق مثل الملوخية صباح اليوم الأول،اعتقاداً بأن لونها الأخضر سينسحب على أيام السنة القادمة لتكون “خضراء” ومباركة.!
هذا الارتباط العاطفي والثقافي يجعل المناسبة أكثر من مجرد عيد، فهي جزء من الهوية الاجتماعية وفرصة سنوية لإعادة توثيق روابط العائلة و”بث الدفء العائلي”لذلك،يصبح مجرد التفكير في إلغاء الاحتفال بمثابة خسارة لهذا الإرث الاجتماعي والعاطفي.

دوافع نفسية أيضا

خلف قرار الإنفاق رغم الظروف، تكمن دوافع نفسية عميقة.تفسر الأخصائية النفسية سلوى طاجين أن المبالغة في الاحتفال تعكس رغبة ملحة في “صنع السعادة” كرد فعل على الضغوط النفسية والاجتماعية والمالية التي يعيشها التونسي طوال العام.
في ظل هذا الواقع، تتحول ليلة رأس السنة إلى “فرصة للخروج من بوتقة المشاعر السلبية”، ولو لساعات قليلة، يشعر خلالها الفرد والأسرة بالبهجة والأمل.لكن هذه السعادة، كما تسميها طاجين، تبقى “مشروطة” وعابرة،وهي تختلف عن السعادة الحقيقية النابعة من الأمان الداخلي.
ويلعب عامل المقارنة الاجتماعية، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي،دوراً كبيراً في استمرار دوامة الإنفاق.فمشاهد الاحتفالات الباذخة التي تُعرض تجعل الأفراد في سباق لا ينتهي لتحقيق صورة سعادة مشابهة،حتى وإن كانت لا تتوافق مع إمكانياتهم المادية الحقيقية.

بنود رئيسية

ويتركز العبء المالي في شهر ديسمبر على عدة بنود رئيسية تجتمع معاً لتشكل ضغطاً مالياً كبيراً، كالتحضيرات المنزلية للاحتفال،وهو البند الأكثر تقليدية وانتشاراً،ويشمل الموائد الخاصة،حيث يُعد طبق الدجاج المحمر أو المشوي الطبق الرئيسي في معظم البيوت،إلى جانب الحلويات التقليدية مثل المرطبات.وقد ارتفعت أسعار المرطبات وحدها ما بين 10 و12% مقارنة بالعام الماضي،الهدايا والعطايا للأطفال والأقارب، الالتزامات المالية السنوية التي تصادف نهاية العام،مثل بعض الضرائب، والاشتراكات المدرسية أو الجامعية،ودفعات التأمين،النزعة الاستهلاكية والموسمية،حيث تستغل المتاجر الفرصة بعروض وتخفيضات تدفع لشراء أشياء قد لا تكون ضرورية.كما ترتفع أسعار المواد الغذائية الموسمية بسبب زيادة الطلب.

إقبال على الحلويات

في ذات السياق، تشهد الأحياء الشعبية والعائلات متوسطة الدخل هدوءاً غير معتاد.يقول تجار الحلويات إن الإقبال تراجع بشكل ملحوظ،حيث “الزبون الذي كان يشتري قالبين أو ثلاثة،بات يكتفي بقطع صغيرة”. وتعلن العديد من الأسر عن قرارها بقضاء السهرة “كأي ليلة عادية”،حفاظاً على ميزانيتها للأمور الأكثر أهمية مثل “ثمن الحليب والزيت”.
في النهاية،يبدو أن التحدي الحقيقي للعائلات التونسية،خاصة متوسطة الدخل،لا يكمن في إلغاء الاحتفال الذي يمثل نسيجاً من التقاليد والمشاعر، بل في إعادة تعريفه بما يتناسب مع الواقع.
فالخروج من إطار “السعادة المشروطة” بالمظاهر المادية، والتركيز على الجوهر الاجتماعي والعائلي للمناسبة،هو الطريق نحو احتفال لا يخلف وراءه ندامة مالية.
ربما تكون هذه الظروف الصعبة فرصة للعودة إلى الطقوس البسيطة التي كانت سائدة في الماضي، والتركيز على الدفء الأسري وتبادل الأمنيات الطيبة،بعيداً عن ضغوط الاستهلاك والمقارنات. فكما يقول المثل،الفرحة الحقيقية تنبع من الداخل،وتبقى الذكريات الجميلة التي تخلقها الأجواء العائلية الحميمة أغلى من أي مأدبة فاخرة قد ترهق كاهل الأسرة لشهور قادمة.

إعداد: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى