صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ صالح عزيّز (1911-1953): أوّل جرّاح تونسي

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

إنّ الهضبة المطلّة على ساحة باب سعدون في الحاضرة يبرز من فوقها عديد المستشفيات المتخصّصة وهي تحمل أسماء أعلام في الطبّ على غرار الهادي الرايس والبشير حمزة، ومن ورائها زهير القلال و المنجي بن حميدة ويتصدّرها قبالة مبنى وزارة الصحّة المعهد الذي يحمل اسم صالح عزيّز الطبيب الأوّل الذي باشر أمراض السرطان وخاصة سرطان الثدي.

هو صالح عزيّز المولود بمدينة سليمان في الرابع والعشرين من شهر نوفمبر من عام 1911.
تحوّل إثر تحصله على شهادة الباكالوريا عام 1930 إلى فرنسا لمتابعة تعليمه العالي في كلية الطب بمونبيليه أوّلا ثمّ كليّة باريس حيث تخرّج واشتغل طبيبا داخليا عام 1937، ثمّ بدا له أن يتخصّص في ميدان الجراحة، ثمّ عاد إلى خطته كما تعود الطيور المهاجرة إلى أوكارها، فالتحق بالمستشفى الصادقي ـ عزيزة عثمانة حاليا ـ وعمل طبيبا جرّاحا إلى جانب رئيس القسم الدكتور Denisleau.

براعة فائقة

يقول عنه المنعّم سعيد المستيري (1919-2014) الجرّاح خرّيج كلية الطب بالجزائر عام 1948 في مجلّة “La Tunisie chirurgicale” عدد سنة 1992 بحسب ما أورده الصديق محمد علي بالحولة في كتابه ‘الطبيب التونسي’ :’كان أوّل جرّاح تونسي يقدم على إجراء عمليات عويصة في الجراحة الحديثة، فأظهر براعة فائقة متميّزة وجعل من غرفة العمليّات الجراحيّة بالمستشفى خليّة نشيطة لعلاج المرضى وإسعاف المنكوبين والمصابين بالقنابل التي كانت تتساقط على البلاد في معارك سنة 1942 إبّان الحرب العالمية الثانية”.

ساند المقاومين

ولقد دفعته نفسه الغيورة على الوطنيين الذين انخرطوا في الحركة الوطنيّة إلى إخفاء المقاومين منهم بعد أن يكون قد عالجهم بمصحّته الخاصّة بنهج الجرّة برأس الدرب.
ولقد تعرّض جرّاء ذلك لبطش قوّات الاستعمار الذين كانوا لا يتردّدون على مداهمة مصحّته وعدّ في زمرة المستهدفين من غلاة فرنسا.

مجلس الأربعين

ولقد وقع الاختيار عليه من طرف الباي للانضمام إلى مجلس الأربعين الذي بعثه للنظر في الإصلاحات المزعومة للمقيم العام Louis Periller (1900-1986) في أوت من سنة 1952.
ومجلس الأربعين هذا أو لجنة الأربعين، كما سمّاها المنعّم عبد الكريم عزيز في كتابه “نضال شعب أبيّ” الصادر عن مركز النشر الجامعي سنة 2001 تتركّب من رجال السياسة وعلى رأسهم الزعيم فرحات حشاد والاقتصاد والمهن الحرّة كالطب والذي كان ممثلا علاوة على الدكتور صالح عزيّز من قبل الدكاترة الصادق المقدّم والصادق بوصفارة والهادي الرايس وصالح عويج. ولقد ترأسّها المنعّم الطاهر بن عمّار وشغل الأستاذ فتحي زهير خطّة المقرّر العام بها.
وفي يوم 29 أوت 1952 قرّرت اللجنة رفض الإصلاحات، فقام الباي بتبليغ ذلك الرفض مباشرة إلى رئيس الجمهورية الفرنسي، وذلك بواسطة الطيب بلخيرية دون أن يطلع المقيم العام على لائحة الرفض.
ولقد نشر المنعّم عزيز في كتابه نصّ لائحة الرفض لأنّ “الإصلاحات” تقرّ السيادة المزدوجة في المجالس وتسند المناصب الرئاسية للفرنسيين وأنّها لا تأتي بأي حلّ صحيح لأزمة العلاقات التونسية ـ الفرنسية، ولذلك فإنّ أعضاء اللجنة يناشدون الضمير العالمي لإيجاد حلّ لهذا النزاع على أساس ميثاق الأمم المتحدة” ص 401.

رحل شابا

صالح عزيّز هو أوّل طبيب تونسي مثلما أشرنا آنفا يهتمّ بأمراض السرطان، ولذلك استحقّ المعهد الذي شيّدته دولة الاستقلال عام 1969 أن يحمل اسمه وهو الذي فارقنا رحمه الله وهو يستعدّ للقيام بعمليّة جراحية في مصحّته في الثالث والعشرين من شهر جويلية عام 1953 ولم يتجاوز عمره اثنين وأربعين عاما كانت حافلة بالجهد والبذل والعطاء، فلقد ساهم بقسط وافر بالقلم في تحرير فصول علمية في المجلات المتخصّصة كما أنّه انتمى من 1948 إلى 1951 إلى هيئة عمادة الأطباء.
رحمه الله رحمة واسعة وجازاه خيرا عمّا قدّمه للعباد والبلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى