صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ محمد الفاضل ابن عاشور (1909-1970): المفكّر العضوي

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

لقد اعتاد البعض عند تعرّضهم لسير الأعلام حشرهم في زاوية واحدة، والحال أنهم كانوا يحلّقون في أرجاء عديدة حتى غدا الناس عندما يشاهدون أحدهم وهو يرتدي عمامة أو يُلقب بـ ‘الشيخ’ فما ذلك إلا دليل على أنه مُتفَقِه في الدين فحسب بينما يوجد من بين أصحاب العمائم والمشائخ رجال موسوعيون ويحقّ القول فيهم تلك القولة المأثورة: أمّة اجتمعت في إنسان…

بدايات العلاّمة

وهو ما يتجلى في سيرة أحد أركان النهضة الفكرية والاجتماعية في بلدنا ألا وهو المنعم محمد الفاضل ابن عاشور طيّب الله ثراه الذي ولد بالمرسى يوم 17 أكتوبر 1909 وتربّى في بيت علم لم ينقطع منذ حلول جده الأعلى محمّد (1620-1698) بالديار التونسية قادما من سلا في المغرب الأقصى والمتوأمة مع مدينة أريانة منذ يوم 08 ماي 1982.
كان منذ بواكير طفولته محلّ عناية فائقة من طرف والده العلاّمة محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973) الذي آل على نفسه أن يدرّس ابنه في البيت بعد أن حفظ القرآن في جامع بوحديد الملاصق لدار ابن عاشور بنهج الباشا بل وخصّص له معلما لتلقينه اللغة الفرنسية ثم ألحقه بالجامع الأعظم وكان سنه 14 عاما، حيث تحصّل على شهادة التطويع عام 1928 ثم انخرط في المدرسة العليا للغة والآداب بالعطارين ثم كلية الآداب بالجزائر.
في سنة 1932 نجح بتفوق في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى.

علمان من نسغ واحد

لقد اجتاز كلّ هذه المحطات وهو مشحون بما كان يطلع عليه في مكتبة والده من نفائس المخطوطات وجواهر الكتب علاوة على ما حصل له من زاد عند حضوره مجالس الإمتاع والمؤانسة في رحاب بيت والده الطاهر حتى أصبح الاثنان علمين من نسغ واحد. ويقول العارفون بسيرتهما أنّ الوالد كان يصطحب الولد في جولات يصل مداها إلى حدائق أبي فهر في أريانة، وكان أثناءها يقصّ عليه روائع الأدب نثرا وشعرا إلى جانب سرده للأحداث التاريخية في تونس وفي العالم.

رحلات إلى الشرق والغرب

فشبّ الفتى وهو مفعم بكل هذه الذخيرة فأقدم على الحياة يلتهمها التهاما لا يكلّ ولا يملّ دؤوب الحركة غزير العطاء باللسان والقرطاس والقلم، وكان يشدّ عصا الترحال ويؤمّ الشرق والغرب، والغرب أوّلا إذ أنه سافر إلى فرنسا وهو في سنّ السابعة عشر.
يقول في هذا الشأن :”رحلت أوّل مرة إلى فرنسا سنة 1926 وكان لتلك الرحلة أثر قوي في نفسي بتوجيهها إلى تطلب نواحي العظمة والسيادة لوطننا على نحو ما بهرني من فرنسا”.
انضّم إلى الخلدونية مدرّسا ثم عضوا بمجلس الإدارة في عهد الأستاذ عبد الرحمان الكعاك ثم رئيسا ثم درّس بالصادقية وهو صاحب النشيد الرسمي للمعهد “على الهضاب” من تلحين الفنان الهادي الجويني.
في سنة 1933 ألقى خلال المؤتمر الأول لجمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين المنعقد من 20 إلى 22 أوت بتونس بيانا يُقرأ بماء العين إذ أنه قدّم دراسة مستفيضة حول نظام التعليم بجامع الزيتونة وطرق إصلاحه، جاء فيه بالخصوص بحسب ما أورده الأستاذ المختار العياشي في كتابه “البينة الزيتونية ” تعريب الأستاذ حمادي الساحلي الصادر عن دار تركي للنشر عام 1990:” أمّا التدريس فيجرى على طريقة الإلقاء المحض مجرّدة عن كل عمل تطبيقي أو استنتاجي من طرف التلميذ فتتعطّل كافة مواهبه العلمية ولا يتمرّن فكره أبدا على الإنتاج العلمي وحريّة النقد والابتكار بل يكتفي بترديد ما بطن بأذنه أو يقع تحت بصره”.

سُمي مُفتيا وقاضيا

سُمي سنة 1953 مفتيا مالكيا ثمّ سنة 1956 قاضيا بالمحكمة الشرعية قبل أن يقع توحيد القضاء فارتقى إلى رتبة أسمى في محكمة التعقيب.
كان فقيها مجتهدا إذ أن إليه يرجع الفضل في صياغة بعض فصول مجلة الأحوال الشخصية الصادرة يوم 13 أوت 1956.
جاء في كتاب المنعّم أحمد المستيري وزير العدل عامئذ “شهادة للتاريخ” الصادر عن دار الجنوب عام 2011: ” كوّنت لجنة لإعداد مشروع المجلة وكان من أعضائها القضاة محمد بن سلامة ومحمود العنابي ومحمد القروي فشرعوا في تحرير النصوص بالتعاون مع الشيخ محمد الفاضل بن عاشور الذي كان يقوم بدور الوسيط والموفق، وهو الذي حرّر الفصلين المتعلقين بوجوب عرض الطلاق على القاضي في كلّ الصور وعلى مساهمة الزوجة في نفقات العائلة إن كان لها مال” ص107.
كان معلّما بل شيخ المعلمين والمتعلمين بما أنه تولى عمادة الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين المحدثة عام 1962، وكان مترجما، مؤرّخا، ناقدا ولكنه كان مع ذلك مُحدّثا تميل نحوه الآذان، وخطيبا تشرئبّ له الأعناق.

لسان فصيح

كان أفصح النّاس في عصره، يقول المنعّم محمد المصمولي في حديث له بمجلّة الراديو في عددها الصادر بتاريخ 17 جانفي 2010 بحسب ما أورده الصحافي عبد الستار النقاطي في كتابه “ثمانون من أعلام ومشاهير الإذاعة التونسية” الصادر سنة 2021: ” كان – أي المترجم له- يرتجل ارتجالا لا مثيل له بلسان فصيح ولفظ أنيق ونبرات صوتية فخمة وقدرة فائقة على التبليغ وإشراقة تفيض من وجهه البشوش”.
ويذكر المصمولي بأنّ هذا الخطيب وقف لأوّل مرّة أمام المصدح في الإذاعة يوم 15 فيفري 1939 وكانت له مجموعة من البرامج والأحاديث وخاصّة “أمسيات الأربعاء” وكانت تتناول محطّات من الحضارات المتعاقبة على بلدنا وكذلك تراجم للأعلام.
إلى جانب ذلك كان لا يملّ من إلقاء المحاضرات على كلّ المنابر ولقد أوردت مجلّة الصادقية في عددها 66 الصادر في ديسمبر 2019 إحداها تستعرض أهمّ رجالات الإصلاح في تونس ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين من أمثال علي ومحمد باش حانبة وعبد العزيز الثعالبي وعبد العزيز الزاوش والبشير صفر والشيخين محمد الطاهر بن عاشور ومحمد النخلي.

محاضرات روائع..

أمّا عن المحاضرات التي كان يلقيها بانتظام في المغرب في شهر رمضان بدعوة من الملك الحسن الثاني فحدّث ولا حرج فهي من صنف الروائع التي تتلذّذ بها المسامع وتطيب لها الأنفس.
وحسنا فعل الصديق محمد رؤوف يعيش بتقديم نبذة من تلك الجواهر المرصّعة بلسان عربي مبين في شهر الصيام من كلّ سنة فبوركت يا رمضان.
لقد ضمّه مجمع اللغة العربية بالقاهرة إليه وكذلك فعل مجمع دمشق، ومع ذلك فلقد كان مهووسا بشيء هو الاغتراب.
لقد أورد المنعّم الحبيب الجنحاني في كتابه “دراسات في الفكر والسياسة” الصادر بتونس عام 2006 ما يلي: لقد كتب الشيخ الفاضل إليّ أنّ التيّار الفرنكفوني سيكتسب قوّة وتحقّق الفرنكفونية مكاسب عجزت عن تحقيقها خلال 75 عام من الاستعمار المبطن. ويقول الشيخ في هذا المضمار: ” فإنّ الأمر ينتهي بنا إلى تصوّر قوّة هائلة تتزاحم مع قوّة محليّة محصورة وحينها نتوقّع للثقافة العربيّة خسارة المعركة” ص 190.
لقد ألّف في لغة الضاد جملة من الأسفار انطلاقا من كتابه المرجعي ” الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس” والذي يتضمّن بالخصوص المحاضرات الثمانية التي ألقاها أمام طلبة معهد الدراسات العليا في القاهرة وطبع بمصر عام 1956، ثمّ “ومضات فكر” نشر الدار العربية للكتاب عام 1962، ثمّ “التفسير ورجاله” عام 1966، فـ”تراجم الأعلام” عام 1970 ومن بعد وفاته “روح الحضارة الإسلامية” نشر في بيروت عام 1993.

ضمن ثلاثي التجديد

لقد عدّ الحبيب الجنحاني “الشيخ الفاضل” أحد ثلاثة في مجال التجديد في فترة ثلاثينات القرن الماضي إلى جانب الطاهر الحدّاد وأبي القاسم الشابي.
والمقاربة مع الحدّاد في باب الإصلاح الاجتماعي متينة في سيرة الرجلين، إذ أنّ الفاضل بن عاشور انخرط باكرا في حركة التحرّر الوطني بما أنّه انضمّ في ما كان يسمّى بالجبهة القومية التي دعا إليها وترأسها الطاهر بن عمّار، وتمّ ذلك يوم 30 أكتوبر 1944 بمشاركة الحبيب بورقيبة وصالح فرحات وحمّادي بدرة ومحمد بن رمضان ومصطفى الكعاك والطاهر لخضر.
ثمّ انضمّ بحسب ما أورده المؤرّخ لطفي الشايبي في كتابه عن الحركة الوطنيّة الصادر عن مركز النشر الجامعي سنة 2016 ” صحبة رفيقه الشاذلي بالقاضي إلى الديوان السياسي للحزب الحرّ الدستوري الجديد” ص179
كما أنّ المؤلف يستعرض أطوار تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل ورئاسة الفاضل بن عاشور لمؤتمره يوم 20 جانفي 1946 ثمّ رئاسته له.
وقد جاء في كتاب المقاوم الحبيب قرار ” لتحيا تونس” الصادر عام 1996 ما يلي: ” لقد كنت ضمن طاقم التشريفات في المؤتمر بالمدرسة الخلدونية والذي انتخب على إثره الشيخ الفاضل رئيسا والزعيم فرحات حشاد كاتبا عامّا”.
وإنّي لأعجب من غياب صورة هذا الرئيس الذي جاب البلاد معرّفا بالاتحاد وحاثّا العمّال بالفكر والساعد للالتحام حوله من بين الصور التي تحلّي واجهة مقر هذه المنظمة.
ويواصل الحبيب قرار: ” لقد حضرنا معشر الكشافة التجمّع الذي أقيم يوم 20 مارس 1947 تحت إشراف المرحوم الشيخ الفاضل بن عاشور الذي ألقى خطابا حماسيّا ندّد فيه بالاستعمار الفرنسي، ثمّ تلاه زعيم الشباب علي البلهوان” ص21.
ثمّ كان الاجتماع الرهيب الذي نظمته لجنة الدفاع عن فلسطين يوم 5 ديسمبر 1947 بجامع الزيتونة ومن قبله يوم 4 ديسمبر بجامع صاحب الطابع.
يقول المقاوم عبد الله العبعاب في مذكراته ” شهادة للتاريخ” الصادرة عام 2010 : “لقد خطب الفاضل بن عاشور في هاته الجموع 3000 يوم 4 و6000 يوم 5 مندّدا خلال كلمته بموقف فرنسا التي صوّتت لفائدة قرار التقسيم” ص65.
هو ذا الرجل الذي يستحق نعته بالمفكر العضوي على غرار المثقّف العضوي حسب عبارة الفيلسوف الإيطالي “غرامشي” فلا غرو أن يفتقده الوطن وهو الذي لبّى نداء ربّه راضيا مرضيّا يوم 23 أفريل عام 1970.

تونس فقدت أحد أبنائها العظام

يقول الصادق الزمرلي في كتابه “أعلام تونسيون” من تعريب المنعّم حمادي الساحلي والصادر عن دار الغرب الإسلامي في بيروت عام 1986:” ممّا لا شكّ فيه أنّ تونس فقدت في شخص المرحوم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور أحد أبنائها العظام”، ويضيف : ” إنّ النساء التونسيات اللاتي حضرن موكب جنازته بأعداد غفيرة وأخذن في النحيب على نحو مؤثّر يذكّرنا بنحيب النائحات المشاركات في جنائز أموات العصور القديمة”. ص 349
لقد أبّنه يومئذ بمقبرة الجلاّز الوزير محمد مزالي بعد أن كان والده صاحب “التحرير والتنوير” أمّ برباطة جأش صلاة الجنازة على ولده.
رحمهما الله وأسكنهما فراديس الجنان.
لقد رثاه أحد مريديه الأديب والسفير محمد الحبيب عباس (1933-1996) في جريدة الصباح في عددها الصادر يوم 30 أفريل 1970 بحسب ما أورده في كتابه “كتاباتي” الصادر عن مؤسسة سعيدان عام 2006 فقال متوجّها إلى روح الفقيد: “لقد رفعت من مكانة الإسلام في المحافل الدولية مقاما محمودا، وبرّأت مقاصده من شوائب الوهن، فإذا أنت في الصدارة من خلاصة أفذاذه وما زلت أحدوثة المشرقين والمغربين بما أوتيت من مواهب جمعت ما توزّع منها على تفرّد عجيب”. ص331.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى