صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: ‘فيلم الست’ من جدل حول تقمص الشخصية إلى جدل ازدراء الأديان؟!

slama
كتب: نوفل سلامة

المعروف عن سيدة الغناء العربي أم كلثوم ( 31 ديسمبر 1898 / 3 فيفري 1975) أو ” فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي ” الاسم الحقيقي لها أنه رغم قيمتها الفنية وحضورها المتواصل في الساحة الفنية، وذاكرة الشعوب العربية حيث بقيت إلى اليوم أغانيها تُردد ويحبذ الاستماع إليها رغم مرور 50 سنة عن وفاتها..

فإن الأعمال الفنية التي تناولت سيرتها تبقى قليلة مقارنة بمكانتها في تاريخ الغناء العربي ودورها في تشكيل وجدان الأمة العربية وهي التي كانت شاهدة بأغانيها على عصر عرف تغيرات عاصفة شهدتها المنطقة العربية والعالم.

جدل كبير في فيلم ‘الست’

ومن بين الأعمال الجديدة التي تناولت حياة وسيرة هذه الشخصية الفيلم الأخير ” الستّ ” الذي أخرجه مروان حامد ومثلت دور البطولة فيه منى زكي بعد أن تم اختيارها لتقمص شخصية كوكب الشرق في حين كتب السيناريو الذي أحدث هو الآخر ضجة أحمد مراد.
هذا الشريط السينمائي الذي يعتبر من الانتاجات الضخمة للسينما المصرية حيث أنفق على انتاجه نحو 8 ملايين دولار عرف جدلا واسعا إثر عرضه منذ أسابيع قليلة في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش وانتقادات حادة حول اختيار المخرج للمثلة منى زكي لتقمص دور البطولة وأداء شخصية أم كلثوم…

مقارنات مع أعمال سابقة

وقد كان جانب من النُقّاد قد اعتبر أنها اختيار غير مناسب من حيث الشكل والهيئة و تسبب حضورها في تشويه لصورة سيدة الغناء العربي على عكس ما قيل في الممثلة التونسية “هند صبري ” الذي اعتبر أداؤها في مسلسل أم كلثوم الذي انتج سنة 1999 قريب جدا من الشخصية وكان اختيارها مقبولا ولم يثر أي إشكال رغم أن هند صبري من حيث الشكل لا تشبه أم كلثوم ولكن أداؤها اقترب بقدر كبير منها ونفس الشيء قيل في الممثلة ‘فردوس عبد الحميد’ في فيلم ” كوكب الشرق ” الذي تم إنتاجه في نفس العام حيث حظى حضورها بقبول ورضا النُقّاد.

بعيدا عن التقديس

الانتقادات التي وجهت للفيلم ولكاتب السيناريو توجهت إلى الرؤية التاريخية التي اعتمدت والتي اتسمت بنظرة تحررية وعدم التقيّد بالسردية الرسمية التي عُرفت بها أم كلثوم في محاولة يقول عنها كاتب السيناريو من أجل إعادة كتابة سيرة الستّ لإبراز جوانب أخرى مخفية من حياتها والتركيز على الجوانب الإنسانية فيها، وكشف مناطق من حياتها لم تُعرف بعد بعيدا عن نظرة التقديس التي حاول البعض إضفائها عليها، كما تعرض الفيلم إلى انتقاد آخر توجه إلى الاختيار غير الموفق للممثلة ” منى زكي ” للعب دور البطولة وتقمص دور كوكب الشرق.

تصريح أشعلها

لكن هذه الضجة التي صاحبت العرض الأول للفيلم في مهرجان مراكش قد تحوّلت من انتقاد الرؤية التاريخية والكتابة الدرامية ومن عدم الرضا على اختيار الممثلة منى زكي إلى جدل آخر أكثر خطورة بسبب التصريح الذي أدلى به كاتب السيناريو للرد على الانتقادات التي وجهت له حيث قال: ‘إن أصعب مهمة اعترضته في حياته هي الحديث عن أم كلثوم وأن كتابة سيناريو عن الرسول هو أسهل وأيسر من كتابة سيناريو عن أم كلثوم نظرا لحب الناس لها’!

وهو كلام أراد به أن يعبر عن الصعوبة التي لقيها وهو يعد كتابة درامية عن كوكب الشرق لتشعب شخصيتها وتنوع جوانب حياتها ولحب الناس لها ما جعل أي كتابة عن حياتها سوف لن تلقى الرضا وسنجد كل مرة من يعترض عليها .
هذا التصريح لم يمر عاديا وتحول إلى الفضاء الديني ليندلع جدل آخر واتهام قائله بالتقليل من قيمة الرسول عليه السلام والسخرية منه حينما جعله أقل قيمة من أم كلثوم واندلعت معركة قضائية بعد أن تقدم بعض المحامين من مصر بقضية ضد كاتب السيناريو بتهمة ازدراء الأديان…

لماذا هذا الجدل؟

في نظرنا ما كان لهذا الجدل الذي بدأ جدلا فنيا في موضوع الاختيارات الفنية والرؤية التاريخية لكوكبة الشرق أن يتطور ويتحول إلى جدل من نوع آخر لا علاقة له بالرؤية الفنية، واقترب من مسألة خطيرة تتعلق بتهمة التقليل من قيمة الرموز الدينية المؤثرة عند المسلمين لو أن ” أحمد مراد ” كاتب السيناريو لم يقحم شخصية الرسول في حديثه حيث رأى جانب من النقاد أن في مقارنة أم كلثوم بالرسول خطأ فادح وحديث في غير محله ولا سياقه ولا داعي له…
فكيف يعتبر أن إنتاج فيلم عن أم كلثوم هو أكثر صعوبة من تصوير فيلم عن الرسول الأعظم وهي الشخصية التي تحظى بقداسة كبيرة وثقل تاريخي كبير والشخصية التي لعبت دورا مؤثرا في تاريخ الإنسانية وكان لها الأثر الكبير في تغيير وضع المنطقة العربية وتغيير صورة العالم…فمن تكون أم كلثوم حتى يتم مقارنتها بالرسول عليه السلام؟

أسئلة محيّرة

المحير في المسألة ما يحصل في كل مرة يتم فيها استدعاء الرموز الدينية المؤثرة وجلب الشخصيات الدينية المقدسة عند المسلمين واقحامها بصورة اعتباطية في مواضيع لا تعنيهم في عملية يفهم منها أنها استهانة بقدسية هذه الرموز خاصة حينما يتعلق الأمر بشخص الرسول عليه السلام.

وهنا يطرح السؤال ألم يكن أمام أحمد مراد كاتب السيناريو خيارات أخرى ليجري بها مقارنة مع أم كلثوم ؟
ألم يحن الوقت بعد لتحييد رموزنا الدينية المقدسة من كل هذه المعارك التي تحدث خارج الفضاء الديني وتتسبب في تأجيج الأوضاع وتحويل وجهة النقاش عن موضوعه الأصلي ويصبح كل الحديث عن حرية الفكر والتعبير؟ ..هذه القضية مهمة وحساسة حان الوقت لحسمها…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى