صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: المخدرات في تونس/ الانتقال من منطقة عبور إلى سوق للترويج والاستهلاك..

slama
كتب: نوفل سلامة

لا يكاد يمر يوم إلا و تطالعنا فيه الصحف والأنباء عن أفراد تم القبض عليهم بتهمة مسك واستهلاك المخدرات وعن الجهود المتواصلة على مدار الساعة للقوات الأمنية المختصة في مكافحة الجريمة المنظمة في تفكيك مجموعات وشبكات تتاجر في ترويج وبيع هذه الآفة التي أبتليت بها بلادنا…

ولا تكاد تخلو صحيفة من الصحف عن نشر معطيات عن تورط أفراد وتقديمهم إلى القضاء لمحاكمتهم بتهمة الانتماء إلى شبكات دولية تنشط في ترويج المخدرات، لعل آخرها ما أعلنت عنه النيابة العمومية ببن عروس عن نجاح الفرقة المركزية لمكافحة المخدرات للحرس الوطني من تفكيك وفاق إجرامي يتكون من موظفة تعمل بشركة خاصة تنشط في المجال النقل البحري لحساب الغير وموظف لهما علاقة بجهات أجنبية تنشط في تجارة المخدرات كانا قد خططا لتهريب كمية كبيرة من المخدرات من ميناء رادس تقدر بـ525 كلغ من القنب الهندي داخل حاوية مخصصة لنقل بضائع وتجهيزات كهرو منزلية لفائدة إحدى الشركات الخاصة الموردة لفائدتها تم جلبها على متن باخرة قادمة من إحدى الدول الأوروبية والأبحاث مازالت جارية للكشف عن عناصر أخرى متورطة في هذه الشبكة..

تدفقات كبيرة

وهذه العملية ليست هي الأولى ولا الأخيرة التي تتمكن الفرق الأمنية المختصة في مكافحة جرائم المخدرات من النجاح في تفكيك شبكات دولية مورط فيها أفراد تونسية تعمل على إدخال تدفقات كبرى من المخدرات من شتى الأصناف والأنواع عبر الموانئ التونسية وبيعها في السوق الداخلية، حيث سبق لنفس فرقة مكافحة المخدرات ببن عروس أن نجحت في إحباط عملية تهريب نوعية عبر ميناء حلق الوادي تورط فيها عدد من التونسيين ينتمون إلى شبكة دولية كانت قد خططت لتهريب حوالي 370 ألف قرص من مخدر الإكستازي و12 كلغ من الكوكايين تم اخفاؤها بإحكام وبكيفية متقنة داخل سيارة قادمة من إحدى الدول الأوروبية عبر ناقلة بحرية. كما أحبطت الأجهزة الديوانية بميناء رادس عملية تهريب كمية ضخمة جدا من المخدرات تقدر بأكثر من 10 ملايين قرص مخدر تم اخفاؤها كالعادة في إحدى الحاويات القادمة من إحدى الدول الأجنبية عبر ناقلة بحرية.

محاولات إغراق

كل هذه المعطيات تقدم صورة دقيقة عن ملف المخدرات في تونس و تبرز جانبا من الجهد الذي تبذله مختلف الوحدات الأمنية المختصة في حماية حدودنا وموانئنا وحماية المجتمع من كل محاولات إغراقه بالمخدرات القادمة من وراء حدودنا البحرية، ولكن الحالة تتوضح أكثر ويزداد وعينا بخطورة هذه المسألة حينما نعلم أن عدد القضايا المنشورة أمام القضاء خلال الأشهر الثمانية الأولى فقط من سنة 2024 بخصوص المخدرات قد بلغت حدود 7679 قضية متهم فيها 14 ألف و 63 شخصا وأن عدد الموقوفين من الذين لا يزال البحث والتحقيق في شأنهم جاريا ليتم تقديمهم إلى القضاء قد بلغ 12 ألف و82 شخصا، وهو عدد كبير ومحير ولافت ويطرح أكثر من سؤال حول ظاهرة قبول الكثير من أبناء الشعب التونسي من كلا الجنسين في العمل في تجارة المخدرات رغم تشدّد القانون وصرامة العقوبات…

هجمة من شبكات دولية

هذه عينة من قضايا المخدرات في بلادنا وجانب من الهجمة التي نتعرض لها من قبل شبكات دولية ومافيا المخدرات في العالم التي تحاول أن تجعل من بلادنا سوقا لبيع وترويج المخدرات، ومعها بات من الواضح أن هذه الأطراف قد ركزت نشاطها على إغراق البلاد بكميات كبيرة يقول العارفين في المجال أنها تفوق قدرة البلاد على استيعاب كل هذه التدفقات من المخدرات وهذه الشحنات المهولة من المادة المخدرة وتكوين شبكات ووفاقات مُهيّكلة لتنظيم عمليات التهريب عبر مختلف الموانئ التونسية وتنويع عملياتها يساعدها في ذلك تونسيون من الجنسين أغراهم المال والكسب السريع غير مبالين بالمخاطر الكبرى التي يتسبب فيها نشاطهم الإجرامي على الشعب وخاصة على الشباب والتلاميذ بعد أن تحولت مدارسنا إلى فضاء لبيع وترويج هذه السموم.

حقيقة خطيرة

المفيد في كل ما أوردناه من معلومات عن ملف المخدرات في تونس هو الوقوف على حقيقة خطيرة، وهي أن بلادنا حاولت بعض الأطراف على مدى السنوات السابقة تحويلها إلى سوق كبرى لترويج واستهلاك المخدرات بشتى أنواعها ولم تعد كما قيل لنا وحاولوا اقناعنا به أنها منطقة عبور لا غير بالتالي لا خوف على البلاد من تواجد المخدرات.
والمفيد الآخر أن البيانات المقدمة تؤكد أن الكميات من المادة المخدرة التي تم مسكها هي كميات كبيرة جدا تقدر بالملايين لو نجح أصحابها في تهريبها وإدخالها إلى بلادنا لحصلت الكارثة والطامة الكبرى خاصة أن هناك كميات أخرى متداولة.. والمفيد الآخر المرتبط بكميات المخدرات المهولة هو أن العاملين في هذا المجال والناشطين فيه هم بالآلاف أيضا تم القبض على الكثير منهم وتبقى أعداد أخرى تعيش بيننا لا تزال تنشط في كنف السرية، ولم تتوقف يوما عن تنويع وسائل إدخال هذه السموم إلى بلادنا رغم صرامة القوانين وتشدد الأحكام القضائية وهي مجموعات من كلا الجنسين تنشط ضمن شبكات منظمة لهم مساعدون ومعاونون لهم في الكثير من الميادين واستطاعوا أن يجنّدوا الكثير من العناصر الجديدة وتمكنوا من اختراق الكثير من المواقع والهياكل التي تساعدهم على تسهيل تهريب هذه المخدرات مقابل الحصول على أموال وفيرة.
المفيد الآخر الذي وجب الانتباه إليه إلى جانب كل ما قلناه هو أن المقاربة المعتمدة في محاصرة هذه الظاهرة تعتمد على المقاربة القضائية وتكثيف المجهودات الأمنية والأعمال الاستخباراتية للكشف عن هذه الشبكات والمجموعات التي تنشط في تجارة المخدرات وهي مقاربة مهمة وضرورية ولولاها لما أمكن إحباط الكثير من عمليات تدفق المخدرات وإفشال الكثير من محاولات إدخال هذه السموم إلى بلادنا، ولكن رغم أهمية العمل الأمني فإنه يبقى ناقصا إذا لم يُعاضد ويُسند بحلول ومقاربات أخرى منها المقاربة التربوية الدينية التي تساعد على التقليل من خطورة الظاهرة حيث من الضروري إعداد برامج مركزة تمرر في مدارسنا من خلال برامج تربوية دينية تحذر بشدة من تعاطي المخدرات بيعا وترويجا واستهلاكا وتقرر دون خجل ولا خوف حرمة المخدرات وتربية الناشئة منذ الصغر على اعتبار المخدرات من المحرمات الدينية التي لا يجوز للمسلم تعاطيها أو الاقتراب منها..

حلول ‘مستوردة’

ونعتقد أن استبعاد الجانب الديني والمعطى الإيماني في موضوع المخدرات قد ساعد على توسع نطاق الظاهرة وسهل التعامل معها بل أكثر من ذلك جعل الكثير من الناس يطالبون بالتعايش مع الظاهرة وقبولها كمعطى عادي يجب الاعتراف به في تماه تام مع الوضعيات الغربية في تناول مسألة المخدرات وفي استنساخ ممجوج للحلول التي روجت لها منظومة العولمة و كرستها المعرفة الأوروبية والمركزية الغربية للمعرفة..
وهي حلول يُراد لنا أن ننصاع إليها ونتبناها ونقبل بها في محاولة لمواصلة الوصايا الفكرية الغربية والاحتكام إلى منظومة القيم لهيئة المستعمر والمحتل القديم.

مراجعة المقاربة

ما نطالب به وندعو إليه هو مراجعة ضرورية للمقاربة التي نتبناها في التعاطي مع ظاهرة المخدرات في بلادنا تقوم على تلازم بين الحل الأمني والحل التربوي الديني في مثل هذه القضايا الاجتماعية ومن دون تغيير نظرتنا للمسألة ومراجعة خياراتنا فإن الحل الأمني وحده لن يكفي في مقاومة الظاهرة وقد يعطل تمددها، ولكن لا يمكن أن يحد منها بالقدر الكافي ومحاصرتها المحاصرة المطلوبة خاصة إذا ما ركزّنا على تضييق الخناق على الفاعلين الرئيسيين المتورطين في جلب وتهريب المخدرات وعدم الاكتفاء بمن روج ومن استهلك وهي الحلقات الضعيفة في الظاهرة..
عمل كبير ينتظرنا فهل لنا الجرأة على التحلل من المقاربات الأجنبية والتحلل من هيمنة الغرب علينا وأن نضع حلولا خاصة بنا لمشاكل مجتمعنا تكون نابعة من ثقافتنا وهويتنا وتاريخنا وديننا وقيّمنا التونسية التي تربينا عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى