عيسى البكوش يكتب/ محمد التريكي (1900-1998) الفنان الذي يعود إليه الفضل في تدوين الموروث الموسيقي


كتب: عيسى البكوش
“زعمة يصافي الدّهر يا مشكايا
ونعود نضحك بعد طول بكايا”
هذه الأغنية التي تعدّ من جواهر المدوّنة الموسيقية في بلدنا نظمها الشاعر محمود بورقيبة (1909-1956) بطلب من ملحنها محمد التريكي الذي رأى النور في مدينة رادس يوم 25 ديسمبر من سنة 1900.
البدايات
ولع بالموسيقى منذ نعومة أظفاره فلقد تعلّم الترقيم وهو تلميذ بمدرسة المحطة ثمّ بالمعهد العالي على أساتذة أوروبيين من أمثال فيسكي ولاج وفاتون وأتقن إلى جانبهم العزف على آلة الكمان، ولما اشتدّ عوده في سنة 1919 تعرّف على المصري أحمد فيروز الذي أخذ عنه أدوار سيّد درويش، و بالموازاة كان يتردّد على محل عبد العزيز الجميّل الذي كان يحتضن كلّ المواهب الناشئة، مع التذكير بأنّ والده يعدّ من أقطاب الطريقة العيساوية ومنه تلقّى فنون الإنشاد والذكر والمجرّد.
وتعلّم المالوف عند الشيخ الصادق الفرحاني و”الفوندو” عند محمد المغيربي قائد الفرقة الموسيقية الخاصّة بالباي.
أسّس فرقة خاصة
انطلق في سنّ العشرين في مصاحبة الفرق الموسيقية ثمّ بدا له أن يؤسّس فرقة خاصّة به لمصاحبة فنانات ذلك العصر من أمثال دليلة الطليانية التي أدّت أوّل ألحانه، وفضيلة خيتمي، و حبيبة مسيكة، وحسيبة رشدي التي ارتبط بها فيما بعد، وقد سافر عدّة مرّات إلى ألمانيا لتسجيل عديد الاسطوانات عند “بيضافون”.
ثمّ من بعد ذلك حلّت به وبنا الفرصة التاريخية عندما لبّى دعوة مؤسّس الرشيدية مصطفى صفر (1892-1941) للانضمام إلى هذا الصّرح حيث قضّى عمرا مديدا وسهر طوال ذلك الوقت لصقل مواهب جلّ الفنّانين والفنّانات بعد تدريبهم وتقديم كمّ هائل من الألحان.
أعمال محمد التريكي
يورد الصديق فاخر الرويسي في كتابه عن فتحية خيري الصادر عن دار تونس للنشر عام 2010 قائمة أغاني “توحة” من ألحان محمد التريكي وهي: “يا محرمتها” من نظم عبد الرزاق كرباكة، و”لا أنت بالوصل” نظم محمود بورقيبة، و”جسمي بعيد عليك” من كلمات بلحسن الشاذلي (1902-1965)، و”عاشت الخضراء” لعبد العزيز قاسم، و”ها الكمّون منين” لـ بلحسن بن شعبان، و”محلاك يا نڤريتا” التي أدّتها في المسرح البلدي بمناسبة حلول الفنانة الفرنسية Joséphine Baker بتونس عام 1935، و”زعمه يصافي الدهر” التي غنّتها من بعدها الفنانة نعمة.
كما أنه لحّن لشافية رشدي من كلماتها أغنية “يا ساكن قلبي وكنيني”، ولحّن من كلماته أغنية “القلب حبّ وطرب… وهون الروح كي هوا”.
جاء في كتاب نشأة الرشيدية للصديق المختار المستيسر عن أوّل لحن ألفه ولحّنه من قبل أبناء الرشيدية هو ‘إخوان الصفا والجذل’ من نظم جمال الدين بوسنينة وألحان محمد التريكي، ولقد قدّمه لأوّل مرّة خلال الحفل الأوّل للراشدية مساء الأربعاء 5 جوان 1935 بالمسرح البلدي.
أمّا عن آخر لحن للتريكي فهو من نظم المنعّم محمد بوذينة وأداء الفنانة سنيا مبارك “تتفتّح لشكون يا زهر الليمون”.
ولقد تواصلت مسيرة الرجل في حقل التربية إلى أن أصبح متفقّدا للموسيقى بوزارة التربية إلى جانب تدريسه للفرق النحاسية للجيش والحرس الوطني.
دوّن التراث الموسيقي
ولكن لم يقف عطاؤه عند حدّ بثّ الفنّ بل سعى إلى المحافظة عليه بتدوين التراث الموسيقي صلب المعهد الرشيدي بترقيم كلّ النوبات ابتداء من نوبة الأصبهان.
جاء في كتاب ” الرشيدية” للمنعّم محمد السقانجي الصادر عن دار الكاهنة للنشر عام 1986: ” لقد ضبط محمد التريكي وحصر موسيقى نوبات المالوف والتواشيح والأزجال والأغاني العتيقة والفوندو في الحضري والبدوي. وبهذا العمل الجبّار وقع التأمين على تراثنا الموسيقي من خطر الاندثار”.
يقول العارفون به أنّه ترك ألفي قطعة بين أغان وسماعيات وموشحات وغناء مسرحي.
توفي رحمه الله وجزاه خيرا يوم 27 فيفري 1998.




