نوفل سلامة يكتب: فرنسا تراجع ذاكرتها وتعيد كتابة تاريخها ‘الكولونيالي’


كتب: نوفل سلامة
في يوم وُصف بالتاريخي لـ فرنسا المتطرفة، وفي جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية سادها الكثير من التشنّج وتوزيع الشتائم، وفي يوم انتصر فيه الخطاب الشعبوي وعلا فيه صوت اليمين واليمين المتطرف المُفعم بالكراهية…
إدانة الاتفاق الفرنسي الجزائري
صوّت نواب البرلمان الفرنسي بفارق صوت واحد (185 مقابل 184) لصالح مشروع قرار تقدم به حزب اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان يقر بإدانة الاتفاق الفرنسي الجزائري الموقع سنة 1968 المنظم لشروط الهجرة والإقامة للجزائريين في فرنسا ويمنحهم إجراءات مبسطة لفتح مشروع تجاري أو الالتحاق العائلي.
أبعاد التصويت
قيمة هذا التصويت ومساحة الاهتمام التي نالها في كونه قد عاد إلى الذاكرة وإلى التاريخ ليعيد النظر فيهما ويطرح السؤال حول ضرورة مراجعة اتفاق عمره أكثر من نصف قرن أبرمته فرنسا مع الجزائر بعد حصول هذه الأخيرة على استقلالها وإدانة قرار منح الجزائريين كل امتيازات الهجرة والإقامة بداعي التكفير عن الحقبة الاستعمارية والتعويض عن جرائم فرنسا بحق الجزائر.
سؤال الهوية الوطنية
اليوم مع سطوة اليمين المتطرف على كامل أوروبا وعودة الخطاب الشعبوي ليكتسح المجال السياسي والوعود الانتخابية عاد سؤال الهوية الوطنية للبروز بقوة وعاد النقاش حول الخصوصية والهوية الذاتية والهوية المحلية، وأهمية العودة إلى الجذور لحماية الذات الأصيلة من كل الدخلاء والوافدين ومن كل من لا ينتمي إلى التاريخ الأوروبي والعرق الأوروبي الصافي..
فهذا القرار القاضي بالتراجع عن كل ما منحته فرنسا للجزائر بعد اتفاق الاستقلال سنة 1962 والذي أوصل البلدين الى اتفاق الهجرة والإقامة سنة 1968 قد اعتُبر في اتجاه الانتصار إلى الهوية الوطنية لفرنسا التي فقدتها وفك الارتباط مع شروط استقلال الجزائر التي لا تخدم المصلحة الفرنسية وسهلت قدوم الجزائريين إلى فرنسا.
إعادة كتابة تاريخ فرنسا
اللافت في هذا القرار الذي صادق عليه البرلمان الفرنسي أنه سمح بإعادة كتابة تاريخ فرنسا الاستعمارية وفتح الباب لمراجعة كل ما اتفقت عليه الشعوب في زمن تحررها من حقبة استعمارها وإمكانية التراجع عن كل الاتفاقيات التي أبرمها المستعمر في سياقات مختلفة مع كل الشعوب التي احتلها، واليوم يراها في غير محلها أو أنها مضرة بمصلحته الوطنية وإعادة تأثيث الذاكرة الوطنية من جانب واحد ومن زاوية المستعمر والمدافعين عنه الجدد ووفق رؤية فيها تنكر لجرائم الماضي.
المشكل الذي يثيره هذا الحدث في خطورة مثل هذه التصرفات في إعادة رسم العلاقة بين الدول وتحديد الروابط القديمة والحديثة بين الأطراف، وفي التراجع عن الاتفاقيات التي أبرمتها الشعوب مع مستعمرها بمناسبة الانتهاكات التي تعرضت لها وبسبب الجرائم التي ارتكبت بحقها والتي اعترفت بها المنظمات الدولية والقانون الدولي…
واليوم بهذا التراجع عن الحقوق التي أقرت للجزائر بموجب اتفاقيات مكملة لاتفاق الاستقلال تكون الكولونيالية قد تنكرت لأفعالها وتحللت من التزاماتها، وتكون فرنسا قد كتبت تاريخها من جديد في سياق ‘النيوكولونيالية’ أو منظومة الاستعمار الجديد الذي يسعى منظرُّوه لاستعادة الروابط القديمة بين دول الجنوب ودول الشمال.
سياق تاريخي جديد
ما تقوم به فرنسا اليوم من وراء خطاب الهوية الوطنية ومن وراء الدفاع عن خصوصيتها هي مسألة مفهومة وتأتي في سياق تاريخي تعرف فيه أوروبا انتفاضة كبرى وتنكرا لكامل المسار الذي اتخذته بعد الحرب العالمية الثانية والذي بنت به العالم، وشكلت به العلاقات والقائم على الانفتاح والاعتراف بالآخر وعلى إقرار منظومة الحقوق الكونية ومنظومة العولمة والنظام الديمقراطي الآلية الوحيدة للحكم…
هذا كله مفهوم ولكن الأمر الذي لا يمكن تفهمه هو ما حصل من تراجع على ما تم الاتفاق عليه في قضية محسومة تم الاعتراف بها كونها خطيئة إنسانية ارتكبت في حق الشعب الجزائري تطلب إصلاحها إقرار تعويضات لا يمكن بأي حال التنصل منها أو إدانتها أو العودة إلى الفعل الكولونيالي المدان.
أزمة هوية كبرى
الخطير في المسألة أن الانتصار الذي حققه اليمين المتطرف الفرنسي له بعده الرمزي في إعلاء خطاب الهوية المغلق وخطاب رفض تواجد الأجانب فوق الأراضي الفرنسية وكل أرض أوروبية والمطالبة بإعادتهم إلى أوطانهم فهي أولى بهم ومن مسؤولية حكوماتهم وخطاب إعادة كتابة التاريخ الاستعماري لفرنسا وعدم اعتبار وجود تاريخ ثابت ومعترف به ومتفق عليه للحقبة الاستعمارية.
المفيد فيما حصل في البرلمان الفرنسي أن الغرب يعيش أزمة هوية كبرى وأزمة في وجوده وتاريخه وذاكرته وأزمة مع ما أبرمه من اتفاقيات مع الشعوب التي استعمرها، وأزمة فيما اعترف به من جرائم كان قد ارتكبها بحق الشعوب التي احتلها وهو اليوم يستعيد النظرة الاستعمارية القديمة التي لم يتخل عنها بالمرة و مع خطاب اليمين المتطرف يستعيد التاريخ ويستحضر الماضي ويعيد بناء الهوية الاستعمارية ويكتب التاريخ الجديد للنيوكولونيالية.




