صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: على هامش أربعينية الرفيق عياض عمّار..

issa-bakouche
كتب: عيسى البكوش

لبّى الرفيق عياض عمّار نداء ربّه يوم الجمعة 08 أوت 2025 وهو المولود بصفاقس يوم 12 سبتمبر 1946.

لقد عرفته في ستينات القرن الماضي في باريس حيث كنا ندرس سويا في جامعة السوربون وبالتحديد بالنسبة له بكلية الحقوق، وانخرطنا الاثنين صحبة جمع من الطلبة التونسيين في الحراك النقابي والسياسي ضمن الاتحاد العام لطلبة تونس وكنا متلازمين في مواقع النضال في دار تونس وفي إقامة مونسني وفي مقر جمعية طلبة شمال إفريقيا بشارع سان ميشيل.

ولقد خلفني على رأس فرع الحقوق بالاتحاد سنة 1968 عندما عدت إلى أرض الوطن لتحمل مسؤوليات ضمن المكتب التنفيذي للاتحاد إثر مؤتمر منزل تميم.

كان مدافعا عن القضايا الوطنية

فكان صوته يعلو فوق كلّ الأصوات دفاعا عن القضايا الوطنية وبالخصوص على المنهاج الذي دأبنا عليه في المناداة بالديمقراطية داخل الحزب الحاكم كـ رديف لإحلال الديمقراطية في البلاد.
لقد كنّا منفتحين على الآخر الذي له طروحات مغايرة فالوطنية إنما هي ملك مُشاع ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة.

دخل المحاماة

لما عاد إلى تونس وقد غنم تجربة ثرية في فرنسا وقع ترسيمه في سلك المحاماة عام 1977، و بالموازاة انضم إلى سلك المدرسين في كلية الحقوق بتونس فتتلمذت إليه أعداد وافرة من الحقوقيين من قضاة ومحامين وعدول.
ويشهد له الطلبة بمتانة علمه وعلوّ كعبه وفصاحة لسانه ولم يكتف بهاته المهام في الداخل، بل تخطت مواهبه الحدود فانضم إلى الاتحاد الدولي للمحامين وتدرّج في سلم المسؤولية ليبلغ خطة الأمين العام والمفوض لدى منظمات الأمم المتحدة.

تكريم وتشريف

كما أنّه ساهم بقسط وافر في تمتين العلاقات بين محامي ضفتي المتوسط وخاصة مع المحاماة الفرنسية وما شهادات عمداء باريس الذين عرفوا عن كثب خصال الفقيد والتي نشرت أخيرا على أعمدة وسائل الاتصال إلا دليل على مكانة الرجل بين أسرته الكونية.
وحتى في الداخل فلقد أسندت له الهيئة الوطنية عند تقاعده الصفة المتميزة للمحامي الشرفي.
وأما الرئاسة الفرنسية فلقد منحته وسام الشرف عربونا لمجهوداته العلمية والمعرفية وهو الذي يعدّ من الأوائل الذين برزوا في مجال التحكيم.
ولقد اختاره أعتى رجال الأعمال في فرنسا، ومن بينهم رائد العطورات Guerlain لمرافقتهم.

النص التاريخي

لقد جمعتني وإياه وشائج لا تحصى وإني وإن أنسى فلن أنسى ذلك الموعد التاريخي الذي ضربناه لأنفسنا غداة السابع من نوفمبر 1987 عندما راودتنا فكرة لمّ شمل عدد من الرفاق لكتابة نص يعبّر عن موقفنا ويطرح على الحُكّام الجدد مشروعا وضعنا له عنوانا لافتا: “من أجل مجتمع جديد” حذّرنا فيه بالخصوص من خطر الإعلام الموجه والموظف للتبرير وليس للإنارة.
وقد نشر هذا النص يوم 21 نوفمبر 1987 بـ جريدة لابريس وأعيد نشره في السنة الموالية لاعتباره من أجلّ النصوص التي خطتها صفوة من المثقفين الدستوريين الديمقراطيين حقا.
وكان اسم عياض عمّار يتصدّر قائمة الموقعين العشرة وهم محدثكم وعياض النيفر وأحمد الهرقام والمنصف المؤدب وعمر السعيدي ورؤوف بن عمار وحسن كمون وهشام بوقمرة وعز الدين العربي.

ودّود وضحوك

كان رحمه الله ودودا ظريفا ضحوكا ميالا إلى الهزل ولكنه هزل من صنف ما جاء في عجز أحد أبيات أبي نواس :”ربّ جدّ جرّه اللعب” .
كان يقضي أيّاما سعيدة بين مقر إقامته حيث الاخضرار والشجر وضيعته حيث النارنج والزهر.
وارى جثمانه الثرى إثر صلاة العصر ليوم السبت 09 أوت 2025 بروضة مقام أبي الحسن الشاذلي.
نم هانئا أيها الرفيق فإنه يصحّ فيك ما ذكره ابن دريد :
“وإنما المرء حديث يعدّ
فكن حديثا حسنا لمن وعى”
الله نسأل أن يسكنك جنة الرضوان وأن يرزق أرملتك روضة وابنك وليد وابنتك شمس جميل الصبر والسلوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى