نوفل سلامة يكتب: غزة حررت شعوب العالم من الصهـ . يونية وقامت بعملية فرز للمثقفين..


كتب: نوفل سلامة
ما يحدث اليوم في العالم من مساندة كبيرة ومتواصلة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة هو سلوك غير مسبوق .. وما يحدث من خروج يومي ومكثف للشعوب في مختلف بلدان العالم وخاصة في الدول الأوروبية للتنديد بالإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال وآلته الحربية هو موقف مشرف للضمير الإنساني الحي….
رغم التواطؤ المفضوح للكثير من الحكومات الأوروبية وحتى العربية وصمتها، بل مباركتها للجرائم التي ترتكب كل يوم بحق النساء والأطفال في غزة وما يتعرض له القطاع من تدمير كلي ومحو لكل مظاهر الحياة فيه.
إقرار صريح
اليوم هناك إقرار صريح من طرف الكثير من النزهاء في العالم بأنه رغم ما لحق بغزة من دمار في المنشآت والمنازل والبنى التحتية، وما يتعرض له شعبها من إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية تجرمها كل القوانين الدولية ورغم مواصلة الكيان تقتيل وتجويع الشعب الغزاوي ومنع وصول الغذاء والدواء عنه، فإن غزة بما يحصل لها قد حررت شعوب العالم من التأثير الصهـ .يوني وأنهت سردية المظلومية اليهودية وعقدة الذنب التي رافقت التاريخ الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية بسبب ما حصل لليهود على أيدي هتلر وحكومته النازية…
الابتزاز متواصل!
وجعلت الشعوب تحتج على عملية الابتزاز المتواصلة التي تمارسها
الصهيـ . ونية تجاه الحكومات الأوروبية المتعاقبة وتراجع تعاطفها التاريخي ودعمها المادي والمعنوي بسبب تلك الحقبة التي يعتبرها الغرب مظلمة في تاريخه مثلت وصمة عار للحداثة الغربية.
غزة عرّت الغرب
اليوم غزة عرت العالم الغربي ومن ورائه الحركة الصهيونية التي ظلت توظف التاريخ اليهودي في أوروبا من أجل كسب المزيد من الحماية والدعم والمساندة وفتحت جسرا ومسارا جديدا ما كان له أن يفتح لولا الحرب على غزة كشف الوجه القبيح للصهيونية وعرى الغرب وأظهر حقيقته وحرر الشعوب الأوروبية التي باتت تخرج كل يوم في مظاهرات حاشدة من أجل نصرة القضية الإنسانية في غزة ..
استفاقة كبرى
والأهم من ذلك ما حصل من استفاقة لهذه الشعوب التي فهمت أنه عليها أن تناضل من أجل أن تتحرر من الهيمنة الصهيـ . ونية، وتكسر القيود التي فرضتها على حق التعبير وحرية الكلمة حيث اكتشفت هذه الشعوب أنها مقيدة وهي غير حرة في كلمتها ومواقفها ورأيها ومتحكم فيها من طرف الصهيـ. ونية العالمية وحليفتها أمريكا وكل الأدوات والمؤسسات والمنظمات التابعة لها.
اليوم هذه الشعوب الغربية التي تمثل الضمير الإنساني الحي استفاقت بفضل غزة وأيقنت أنه عليها أن تفتح مسارا جديدا في تاريخها وحياتها عنوانه فك التبعية مع الفكر والمعرفة المضللة للغرب الصهيوني التي كرست التعاطف الأعمى مع إسرائيل و هذا التحول الذي يحصل اليوم في مواقف الكثير من الشعوب الغربية وكل شعوب العالم من اليهود و ممارسات الدولة الصهيونية والتي فكت عقدة الذنب الأوروبية ما كان له أن يحصل لولا الحرب على غزة وما كان له أن يتحول إلى وعي جماعي وإدراك قطعي لولا عملية طوفان الأقصى.
عملية فرز تاريخي
اليوم ما يحصل في غزة وكل التداعيات التي رافقت الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على مرمى ومسمع من كل الحكومات الأوروبية قد فرضت عملية فرز تاريخي للطبقة المثقفة الأوروبية وعملية مفاصلة لأصحاب الفن والاعلام وكل المؤثرين في العالم، وفرضت عليهم اختيار أحد الأمرين إما أن يكونوا مع الدولة الصهيــ . ونية الاستعمارية المارقة وإما أن يصطفوا مع الشعب الغزاوي الذي يتعرض الى عملية إبادة جماعية.
غزة تعري المُفكرين
اليوم غزة عرت الكثير من المفكرين الغربيين الذين كانوا محل إعجاب من قبل الجميع ويحظون باحترام كبير وتأثير من قبل الكثير من العرب والمسلمين وكانوا المرجع والقدوة العلمية والمعرفية، ولكن بعد الحرب على غزة انكشفت حقيقتهم وفقدوا هذه الثقة بسبب مواقفهم المساندة لما يحصل في غزة من إبادة على أيدي الصهاينة.
انخراط تام
اليوم الكثير من الفنانين والمغنين والمؤثرين في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في الفضاء الأوروبي لا يجمعهم شيء بغزة وليس لهم رابط من دم ولا دين ولا لغة ولا تاريخ مشترك مع شعبها ورغم ذلك تجدهم منخرطين بالكلية في هذه الحركة النضالية التي تقوم بها الشعوب في مظاهرات في مختلف العواصم الأوروبية و يكرّسون الكثير من وقتهم للدفاع عن هذه القضية الإنسانية العادلة..
ورغم أن مجال مساندتهم محدود ونطاق دعهم لا يتعدى التعبير بالكلمة إلا أنهم لا يتوانون في ابتكار وسائل جديدة للتعبير والتنديد بجرائم الصهـ .يونية ويواصلون في رفع الشعارات في الشوارع لكشف جرائم الدولة العبرية المتمردة على الجميع، في الوقت الذي نجد فيه من بني جلدتنا ويعيش بيننا ومن تربطنا به وشائج متينة من دين ولغة ودم وثقافة وتاريخ مشترك ومصير واحد من يشكك في هذه المساندة بل يطالب بعدم المشاركة فيها وحتى التفكير فيها ويطالب بالنأي عن النفس والاكتفاء بالاهتمام بمصالحنا الضيقة والالتفات إلى قضايانا الداخلية من تعليم واقتصاد فهي الأولى بالاهتمام حسب زعمه، أما القضية الفلسطينية وما يتعرض لها شعبها من إبادة جماعية فهي لا تعنينا ولا تهمنا لكون النضال من أجلها فيه مضرة بمصلحتنا الوطنية وأمننا القومي ويعرض البلاد لعدم الاستقرار الداخلي ويجرّها إلى صراعات تتجاوز إمكاناتها.
خروج غير بريء
هذا الموقف سمعناه منذ حصول عملية طوفان الأقصى وردّده البعض بعد قيام الحرب على غزة وراءه أصوات نجدها تعود اليوم في هذا التوقيت وشعوب العالم وأحرار الضمير الإنساني يخوضون معركة بطولية ضد الحركة الصهيـ .ونية المتمردة من أجل إيقاف الحرب والتنديد بجرائم القتل والإبادة التي ترتكبها آلتها الحربية الاستعمارية وهي أصوات فضلا عن كونها تكرر نفسها وتعيد نفس الخطاب كلما تعلق الأمر بقضية من قضايا العرب والمسلمين، وتخرج لنا يافطة المصلحة الوطنية والخوف على البلاد من الانجرار وراء قضايا لا تعنيها أو لا تقدر عليها، والحال أن خروجهم اليوم وفي هذا التوقيت هو خروج غير بريء و فضلا عن تهافت خطابهم الذي تعرى وعرته غزة لكونه يتماهي مع الكثير من المواقف المساندة للعدوان على غزة، فإنه قد أوضح بكل جلاء أنه سبب ضعفنا وعدم قدرتنا على المواجهة وأن بقاءنا في نفس المكان من العجز سببه هذه النخبة القليلة من الإعلاميين والمثقفين والمؤثرين الذين فتحنا لهم منابر الإعلام و التي تربت على الولاء للغرب وقبلت بهيمنته المعرفية واقتنعت بحكمته ورجاحة فكره…
هؤلاء الأشخاص الذين يرددون هذا الكلام المحبط للعزائم هم جزء من المشروع الصهيوني وجزء من الحداثة الغربية المزيفة التي تسعى إلى الهيمنة وجزء من فكر عصر الأنوار الذي اتضح خداعه وعدم مصداقيته.
مسارات جديدة للنضال
اليوم العالم يتحرر والشعوب تنتفض وتفتح مسارات جديدة للنضال من أجل كسر الهيمنة الغربية وفك الارتباط مع الاستعمار الثقافي والمعرفي وخاصة الاستعمار النفسي وعملية استلاب العقول وتوجيه الرأي العام واليوم الشعوب بفضل غزة تقوم بمراجعات جذرية لكل قناعاتها وفي المقابل نجد من بني جلدتها من لا يزال يراوح في نفس المكان ولا يزال قابلا بالتبعية للآخر الذي منعنا ويمنعنا من التفكير والتحرك والاستقلال بالنفس. اليوم الشعوب تبتكر أشكالا جديدة ومتطورة للنضال وتناضل من أجل التحرر والانعتاق من الوصايا عليها وتتحرر للخروج من الإطار الذي وضعها فيه من يحكم العالم ويسيره.
اليوم نضال الشعوب من أجل إيقاف الحرب وتجريم الإبادة التي يتعرض لها سكان غزة هو نضال متواصل ولن يتوقف بعد أن كسرت هذه الشعوب عقدة الخوف من اليهود وتخطت عقدة الذنب التي فرضتها الحركة الصهيــ. ونية على العالم. واليوم الشعب التونسي كغيره من الشعوب منخرط في هذا المسار وهذه الطريق من المساندة والتضامن العالمي وليس المطلوب منه المشاركة في الحرب الميدانية ولا القتال بالدبابات والطائرات وإنما من خلال ما يقدر عليه من أشكال المقاومة للمحتل
الصهـ .يوني والتي منها المشاركة في أسطول الصمود المتجه نحو غزة لكسر الحصار المضروب عنها وإيصال المساعدات الغذائية.
لحظة تاريخية
اليوم اللحظة التاريخية التي يمر بها عالمنا العربي الإسلامي وما يعتريه من ضعف وهوان فيها بريق أمل وحيد هو شعوبها وشعوب العالم الحر وضميره الإنساني الحي واليوم غزة، قد عرت الجميع وكشفت الوجه الحقيقي لهذا الغرب وحداثته وفرضت القيام بالكثير من المراجعات وإعادة النظر في كل شيء وعرّت نخبنا ومثقفينا وإعلامينا وفنانينا وكشفت عن حقيقتهم ومدى ارتباطهم وجدانيا وفكريا بالآخر المستعمر المحتل…
وعرت هذه الجماعة التي لا زالت الى اليوم تدافع عن الغرب وكل ما أنتجه من وسائل هيمنة وتحكم وتوجيه ليجدوا أنفسهم يواصلون في نفس اللعبة القديمة مع فارق مهم وهو أن غزة قد عرتهم وكشفت مواقفهم وولاءاتهم…
وقالت لهم أن اللعبة قد انتهت.




