نوفل سلامة يكتب/ كتاب محمد الميّ: المعارك الأدبية في تونس بين التكفير والتخوين (1/2)


كتب: نوفل سلامة
صدر للصديق محمد الميّ كتاب جديد ‘المعارك الأدبية في تونس بين التكفير والتخوين’ منشورات الدار المغاربية للطباعة والنشر صائفة 2025…
وهو كتاب مهم يؤرخ لجانب منسي من المعارك الأدبية التي عرفها المشهد الثقافي في تونس ويحفظ للذاكرة الوطنية جزءا من القضايا الفكرية التي حصلت في مرحلة مهمة من تاريخ تونس المعاصرة وبناء دولة الاستقلال مع بداية التوجه نحو تأسيس الدولة الحديثة بأفكار وقيم وتصورات جديدة وتبني المقاربات التنموية التي عرفها العالم بداية من فترة الستينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي، وخاصة الفكرة الاشتراكية التي بنى عليها الحزب الحاكم آمالا كبيرة في تحقيق البناء المنشود والنهضة الموعود بها.
تجربة شكري المبخوت
يقول محمد الميّ كان الأستاذ شكري المبخوت سبّاقا في الحديث عن قضايا التكفير التي عرفتها تونس بعد حقبة الاستقلال من خلال ما رصده في الجزء الأول من كتابه ” تاريخ التكفير في تونس ” الصادر سنة 2016 والذي خصصه لمحنة التكفير التي تعرض لها الشيخ عبد العزيز الثعالبي والطاهر الحداد والزعيم الحبيب بورقيبة، والجزء الثاني الصادر في سنة 2017 و الذي تناول فيه مسألة التكفير التي طالت كل من الشاعر الصغير أولاد أحمد والأستاذ محمد الشرفي والمفكر يوسف الصديق…
ولئن كان كتاب المبخوت يكتسي أهمية بالغة في رصده لقضايا التكفير في تونس إلا أن نقيصته كانت في الفراغ الذي تركه حينما قفز وتخطى قضايا أخرى و تغافل عن شخصيات فكرية بارزة لم يتعرض لها لا تقل قيمة عن الشخوص التي تناولها، وسلط عليها الضوء وقد تعرضت هي الأخرى إلى محنة تكفير وتخوين وفرضت عليها أما خيار الصمت والانسحاب أو خيار مغادرة البلاد خوفا على حياتها من القتل أو التهديد بالاعتداء.
قيمة كتاب محمد المي فيما قام به من تدارك النقص وإكمال ما غفل عنه المبخوت من قضايا تسببت في تكفير أصحابها وشخصيات مهمة تعرضت هي الأخرى إلى ما تعرض له الثعالبي والحداد وبورقيبة وغيرهم وأكمل الفراغ في مسار تاريخ التكفير والتخوين في تونس المعاصرة.
ما ينفرد به محمد المي في كتابه المعارك الأدبية في تونس هو تعرضه الى قضيتين الأولى تخص الشاعر نور الدين صمود بمناسبة نشره لقصيدته ” السنابل والأصنام ” والثانية تهم الأديب عز الدين المدني وقصته القصيرة التي لم تكتمل ” الإنسان الصفر” ولم ينشر منها إلى حد اليوم الا أربعة فصول من جملة سبعة فصول.
معارك أدبية
هذه الأعمال الأدبية عند نشرها شكلت معارك أدبية عرفتها الساحة الثقافية في تونس وأثثت المشهد الفكري في أعمدة الصحف والمجلات واهتمت بها النخبة الفكرية لتفتح نقاشا وجدلا ثقافيا ثريا، وتلقفها رجال الدين وأئمة المساجد ليجعلوا منها مادة أسبوعية في خطب الجمعة مما حوّلها إلى قضايا رأي عام اهتم بها جانب كبير من الشعب التونسي وأثرت بقوة في حياة أصحابها ومسيرتهم الفكرية وفرضت على السلطة التدخل أحيانا لإيقاف هذا الجدل الذي توسع وتخوف منه رجل السياسة من أن ينفلت الأمر وتتحول المعارك القلمية إلى حالة من الاحتقان خاصة بعد أن اقتربت من منطقة الدين والمقدسات قد تعود بالضرر على صورة السلطة السياسية الحاكمة.
وقد تزامنت في نفس الفترة التي ظهرت فيها قضية تكفير صمود والمدني قضيتين أخريين أبطالها المرحوم أبو القاسم محمد كرو والشاعر محمد لطفي اليوسفي واتهامهما بالتخوين واللا وطنية مع تهمة ‘التمشرق’ وهي تهمة كانت رائجة بقوة في الفترة التي تلت الاستقلال وجهت لهما بسبب موقفهما من الأدب التونسي وما نسب إليهما من إعلاء للأدب المشرقي شعرا وقصة والتقليل من قيمة الأدب التونسي المحلي خاصة في مجال التنظير والصناعة والإبداع والتجديد.
كيل التهم بالتكفير والعمالة
يقول محمد المي عن هذه القضايا المثارة وهذه المعارك الأدبية التي شغلت الرأي العام وإن كان ميدانها الأدب من شعر وقصة إلا أنها تجاوزت مجال النقد الأدبي المعروف وخرجت عن مناهج النقد المعتادة، ولم تركز على المضمون والمحتوى بقدر ما ركزت على كيل التهم بالتكفير والعمالة والخيانة والولاء للآخر استعملت فيها كل الوسائل المتاحة وأشكال الردود من تجريح في الأشخاص وتشكيك في الإيمان والولاء للوطن والانتماء إليه وتشويه وتشهير ودعوات للإقصاء مما خلفت جراحات وانتكاسات لا تزال ثقافتنا تعاني منها إلى اليوم فضلا عن تداعياتها عن صورة الأشخاص الذين تعرضوا إلى هذه التهم وربما كل ذلك يفسر جانبا من تراجعنا وتخلفنا حينما يتحول الرأي والموقف من مجال النقد العلمي والتفاعل المعرفي إلى نصب المحاكم والمشانق لإصدار الأحكام القاسية في ميادين ومجالات تقبل بالاختلاف وتستوعب تعدد الرأي وتضمن للمبدع حريته في رأيه.
تحطيم السجون المقفلة
قضية نور الدين صمود كانت من وراء نشره في صفحة أدب وثقافة بجريدة العمل لسان الحزب الحاكم الاشتراكي الدستوري بتاريخ 27 أوت 1965 وهي صفحة أسبوعية كان يشرف عليها الدكتور الحبيب الجنحاني لقصيدته ” الأصنام والسنابل ” دعا فيها إلى تحطيم السجون المقفلة التي تعاني منها أمتنا وإلى الثورة على الجمود وكسر كل المكبلات ونفض الغبار عن العقول حتى تستفيق الأمة من سباتها ومما جاء فيها قوله:
إذا زرعت سنبلة حطمت ألف مقصلة (يقصد بعا العوائق)
فلا تفيد البسملة وليس تجدي الحوقلة
لا المجد للمساجد ولا لكل عابد
فالمجد للمصانع والمجد مجد العملة فلعنات (الحمد له)
لكن هذه القصيدة التي تعكس رؤية نقدية حادة تجاه الواقع الاجتماعي والديني في العالم العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال تعكس رؤية الشاعر ورؤية الكثيرين من الشعب حتى من رجال السلطة آنذاك وكل القلق الذي خيم في تلك الفترة من معوقات النهوض ومصاعب التقدم واللحاق بركب الحضارة والأمم المتقدمة وهي مكبلات من تقاليد متجذرة كرست الركود والجمود وكلست الذهن والفكر وتشبثت بالشعائر الدينية وتركت العمل الذي يمكن أن يحدث التغيير المنشود واعتبرت أنه يمكن تغيير الواقع من خلال التمسك بالشعائر الدينية والاكتفاء بالدعاء والتسبيح،
فكرة القصيدة أن البلاد لا يمكن لها أن تتقدم إلا بالعمل و اقتحام غمار التصنيع والتعويل على الصناعة وخلق مواطن شغل كثيرة لتحقيق الإنتاج الصناعي ومن وراء ذلك وفرة الإنتاج وهذا لا يتحقق الا بالعمل الجاد وقد استخدم صاحب القصيدة صورا بلاغية قوية للحديث عن الصراع الذي عرفته تونس في تلك الحقبة من التاريخ والبلاد تتأهب للتخلص من التخلف بين صورة المساجد التي يقتصر فيها على العبادة ومكان المصانع والعمل رهان تقدم الأمة فإذا تم زرع سنبلة واهتم المجتمع بالعمل الجاد والإنتاج فإن المقصلة التي تمثل العقبات يمكن أن تتحطم ليشرق مستقبل أفضل للبلاد.
ضجة كبرى
هذه القصيدة أحدثت وقتها ضجة في الأوساط الفكرية والدينية و ردودا قوية وهجمة شرسة على صاحبها من جهات مختلفة وخرجت القصيدة من جريدة الحزب الحاكم آنذاك الحرية لتصل إلى منابر إعلامية أخرى ومن إطارها الأدبي لتصبح قضية دينية وموضوع يهم العقيدة والدين، وقد شارك في الرد على نور الدين صمود كل من محمد صالح الجابري والشيخ محمد الصادق بسيس والحبيب الشريف وعبد الملك الزمرلي ومحمد الهادي الأسود والحبيب الجنحاني والميداني بن صالح فضلا عن ردود نور الدين صمود على منتقديه، وقد كانت أغلبها ردود قوية وخطيرة انزعج منها الشاعر وأحرجته خاصة الردود التي تناولت ايمانه وموقفه من الإسلام والتي بسببها وجهت له تهمة الكفر والخروج من الملة وانكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة والتهوين من قيمة العبادة .
المعركة الأدبية خرجت عن أطوارها
يقول محمد المي لقد خرجت هذه المعركة الأدبية عن أطوارها وقد كان الرد الذي كتبه محمد صالح الجابري في مقال عنوانه ” يا شاعر الفراشة ” كان أكثر الردود التي ازعجت صمود حيث اتهمه الجابري بالسرقة الأدبية والسطو على قصيدة الشاعر أدونيس وتحديدا قصيدته’إلى الغريبة’ التي يقول بها أدونيس:
أسال ماذا اكتب لزوجتي الغريبة العاشقة الصغيرة
وورقي إذا حضرت يهرب وريشتي في طرف الجزيرة
غريبة لأنها تبدل كل مقصلة بسنبلة لأنها تحرق لكي تجيء الطرق
انتهت هذه المعركة القلمية حول قصيدة نور الدين صمود الأصنام والسنابل التي كتبت فيها الكثير من المقالات وتواصلت لأشهر من الجدل والنقاش وحركت السواكن وشغلت الرأي العام ودفعت البعض للهجوم عليه بشراسة والبعض الآخر للدفاع عليه باحتشام بعد الاعتراف بأن القصيدة قد لامست المقدس واقتحمت مجالا وعرا لمعالجة قضايا اجتماعية واقتصادية وحضارية حارقة بأن اكتفى صمود بالصمت وترك العاصفة تمر وامتنع عن نشر القصيدة في أي مجموعة من مجاميعه الشعرية ولا حتى في أعماله الكاملة…
ويبقى اللافت في هذه المعركة الأدبية والطريف موقف الشاعر الميداني بن صالح المعارض لاختيارات نور الدين صمود ورؤيته للإصلاح والتغيير وهو المعروف عنه بتوجهاته الاشتراكية وانتمائه لحزب البعث العراقي، وكان مناصرا لتوجهات أحمد بن صالح ولا يخفي ميولاته الاشتراكية والتي من المفترض أن تجعل منه مناصرا لصمود حيث كتب قصيدته ” من وحي الصومعة ” نشرها سنة 1966 قال فيها :
تحيا الأمجاد الخالدة لصومعة في السماء شاهدة
لمئذنة في الفضاء عالية تقص تواريخنا الباقية
تردّد تذكّر السائلين وللمعجبين وللحاقدين
وصومعة فوق هام الوجود تقص وتحكي لنا في صمود
وتهزأ من كل غر جحود هو ‘ الله ‘ أكبر سر الوجود




