الفنانة التشكيلية هادية بوخروبة: بين ريشة الإبداع وفلسفة الوجود…

كتبت: سارة الرمضاني
في المشهد الثقافي والفني التونسي، يبرز اسم هادية بوخروبة كواحد من الأسماء الاستثنائية التي جمعت بين شغف الفن وعمق الفكر، فارتقت بريشتها وأقلامها إلى آفاق جديدة، لتصوغ لنفسها مسيرة متفرّدة يلتقي فيها التشكيلي بالأدبي، والجمالي بالفلسفي.
صاحبة تعددية إبداعية
هادية ليست مجرد فنانة تشكيلية تقليدية؛ إنها صاحبة تعددية إبداعية قلّ نظيرها، إذ تمارس الفن بمختلف أشكاله وأساليبه، متنقلة بين المدارس والتقنيات بوعي عميق وحساسية مرهفة، ما جعل أعمالها موضع إعجاب العديد من الفنانين والنقاد.
الفنان التشكيلي التونسي يوسف الرقيق كتب عنها قائلاً: “إن الرسامة والفنانة هادية بوخروبة تملك الحس الفني على مختلف الأوجه، فهي حساسة بطبعها وتتحدى المألوف وتبدع في رسمها، شكراً لبحوثها.” أما رائد التشكيل التونسي الهادي التركي، فقد وصف إحدى لوحاتها قائلاً: “اللوحة التي أنجزتها هادية تدلّ على حساسية ورقّة في خدمة حلم دائم لدى هذه الفتاة الشاعرة المحبة للجمال، المنهمكة في شعر يعالج تعبير النظرة. لقد أثّرت فيَّ هذه اللوحة كثيراً.”
مسيرة صاخبة
هذا الإجماع من كبار النقاد والفنانين لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مسيرة صاخبة بالتجديد والإصرار على تجاوز المألوف. فهادية بوخروبة لا تهدأ عن البحث والتجديد، وتؤمن بأن الإبداع ولادة متجددة لا تنتهي، وهو ما انعكس أيضاً في تجربتها الفريدة مع الأطفال، حيث أطّرت 24 ورشة في الفلسفة التطبيقية للأطفال (Philo-Art)، في مبادرة رائدة هي الأولى من نوعها، جمعت بين جماليات الفن وعمق التفكير الفلسفي، لتغرس في الناشئة حب التساؤل والابتكار. انضمامها مؤخراً إلى هيئة التحكيم في تحدي مربع الإبداع العربي شكّل بدوره تتويجاً لمسيرة حافلة بالعطاء، واعترافاً بقيمة حضورها الفني والفكري في الساحة الثقافية العربية.
فلسفة في لوحات فنية
وما يميز تجربة هادية أنّها تمارس فلسفة في لوحاتها، فهي تثير فضول المتلقي وتزرع فيه الدهشة، ليقف أمام أعمالها بين حسها المرهف وقوتها الناعمة، بين إصرارها وضعفها. هذا الخليط من التناقضات يحوّل كل لوحة إلى كتاب متعدد القراءات، حيث يمكن للوحة واحدة أن تُقرأ بعشرات النصوص. وكلما اعتقد المتلقي أنه فكّ رموزها، وجد نفسه أمام قراءة جديدة تناقض ما سبق. وهذا ما نلمسه في أعمال مثل لوحة “هواجس” ولوحة “هنّ”، حيث يتحول اللون والخط إلى استعارات فلسفية تضع المشاهد في مواجهة أسئلته الداخلية. فنانة تعانق التحول وتستولد المعنى من اللون: إن تجربة هادية بوخروبة أبعد ما تكون عن مجرد مسار فني تقليدي، فهي رحلة بحث عن الوجود عبر اللون والكلمة، واستدعاء دائم لأسئلة الجمال والحرية والمعنى.
مرايا مفتوحة
لذلك، تبدو أعمالها وكأنها مرايا مفتوحة على احتمالات لا تنتهي، تجعل من كل معرضها مغامرة فكرية وجمالية. إنها فنانة لا تؤمن بالسكون، ولا تكتفي بالمنجز، بل تعتبر كل لوحة بداية جديدة، وكل نص ولادة أخرى. وبهذا، تؤكد هادية أنّ الفن ليس ترفاً ولا زينة، بل قدرٌ من الأسئلة التي تضيء درب الإنسان نحو ذاته والعالم.




