الأمين الشابي يكتب: أمس.. أرخبيل ‘تشاغوس’ واليوم غـزّة والمجرم هو نفسه..ولكن؟


كتب: الأمين الشابي
قد لا نختلف في التوصيف والمقارنة إن قلنا وأنّ الكيان – الربيب – لا يختلف أبدا عن أمه أمريكا في تصرفها واجرامها واستعمال القوّة لتحقيق مصالحها وأهدافها، ولو كان ذلك على جثث البشر الذي يحول ويقف في وجهها دون تحقيق تلك المصالح والأهداف…
فكلّ الوسائل لديها متاحة. المهم أنّها تتقاطع في تحقيق أهداف وجنون هذا الكيانات المجرمة.
من أرخبيل “تشاغوس” سنة 1965 كانت البداية
قد يتساءل البعض ما العلاقة لهذا التاريخ 1965 بهذه الورقة؟ الجواب نجده عبر استقراء مع حدث سنة 1965 من قبل الولايات المتحدة في عهد الرئيس “ليندون جونسون” و بتواطؤ كالعادة مع بريطانيا التّي نجد دائما بصماتها في مثل هذا العهر السياسي.
وبأكثر تفصيل، وقعت أعين الولايات المتحدة على منطقة استراتيجية للغاية في المحيط الهادي وتحديدا على أرخبيل “تشاغوس” المحتل أصلا من قبل بريطانيا. فأرادت أمريكا السيطرة على هذا الأرخبيل. لكن عليها أولا التفاهم مع بريطانيا وثانيا ترحيل كلّ سكان الأرخبيل قسرا إذا رفض الرحيل طوعا؟
اتفاقية سرّية مع بريطانيا ورحلة موت لسكان الأرخبيل
وللسيطرة على “الأرخبيل” عقدت الولايات المتحدة اتفاقية سرّية مع بريطانيا تقضي بتنازل بريطانيا لفائدة أمريكا عن الأرخبيل مقابل تقديم الولايات المتحدة تقنية عسكرية تتعلق بغواصات “بولاريس”. ولكن المشكلة الثانية تتمثل في التخلص من سكان هذا الارخبيل.
وقد تمّ ذلك عبر خنق كلّ منافذ الأرخبيل عن طريق 30 سفينة حربية وبمساعدة بريطانية، وبالتالي فرض حصار اقتصادي خانق فضلا عن قطع عنه المياه والكهرباء والمواد الغذائية.
ولتعميق أوضاع السكان، تمّ التنكيل بالسكان كأن يتمّ ربط الرجال من أطرافهم ثمّ يغمرون رؤوسهم في الماء حتّى الموت. أمّا النساء والفتيات فقد تعرضن لانتهاكات لا يمكن تخيّلها. ولم يكفهم تلك الأساليب في التعذيب، بل نكّلوا بالسكان أشدّ تنكيل على غرار رمي المسنين والمرضى في المحيط الهندي أحياء لتلتهمهم أسماك القرش.
وهكذا تمّ، بعد عشر سنوات، التضحية بكل سكان الأرخبيل، ليصبح هذا الأرخبيل أهم القواعد العسكرية الأمريكية والتي استخدمته لاحقا في حروبها مع أفغانستان والعراق والخليج؟
إلى غـــزة 2024 ولن تكون النهاية
واليوم، وكأن التاريخ يعيد نفسه مع اختلاف الزمان والمكان. الزمان منذ 2007، تاريخ بدء الحصار على قطاع غزة وخنقه اقتصاديا وغذائيا لمدّة تجاوزت الـ 20 سنة من الحصار. أمّا المكان فهو فلسطين وتحديدا قطاع غزة، أين يقبع أكثر من مليونين ونصف مليون مواطن داخل القطاع المحاصر. والغريب في الأمر أنّ اللاعب البريطاني دائما موجود وكالعادة يحرّك الخيوط من وراء الستار، كما حصل في حادثة خنق أرخبيل “تشاغوس” سنة 1965. مع استثناء وأنّ الكيان الصهيوني هو من يقوم اليوم بالدور الأمريكي في قطاع غزّة؟
وما يأتيه اليوم الكيان الصهيوني في حق الغزاويين إلاّ نسخة مطابقة للأصل مع فارق في استعمال وسائل حديثة وتكنولوجية متطورة وأسلحة كثيرة تغدق عليه من كل حدب وصوب من الغرب، فضلا عن تواطؤ عربي من بعض الكيانات التي لا أراها دولا كاملة الأركان في غياب حرّية قرارها وارتهانه عند أسيادها.
أبناء غزّة اليوم، يعانون من شتّى أنواع وسائل القمع والقتل والتهجير القسري والتجويع وكلّ أشكال المعاملة اللاّ إنسانية، من قبل كيان مجرم، لا يعرف إلاّ القتل والترويع والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. ولعلّ عدد السجناء الفلسطينيين (أكثر من 6 آلاف سين)، وعدد الشهداء (وقد تجاوز 60 ألف شهيد)، وعدد الجرحى (حوالي 170 ألف جريح) وعدد المشردين وعدد اليتامى والثكالى والمنقطعين عن التعليم وعدد الجوعى (بالآلاف)، كلّها أدلّة على مدى إجرامية ودموية هذا الكيان السرطاني.
نفس الأهداف أرخبيل” تشاغوس” وغزة، ولكن
في الظاهر يبدو وأن سكان أرخبيل “تشاغوس” وسكان غزّة ضحايا نفس الأفعال الانتقامية والإجرامية وإن تغيّرت ربما وسائل القمع والتنكيل. فكلّ منهما هجرّ قسرا عن أراضيه. والكلّ منهما قتل بدم بارد. والكل منهما عانى أيضا الأمرّين من كيانين (أمريكا وإسرائيل) وقد جمع بينه بين المجرمين، قمّة الإجرام وقمّة التنكيل بالإنسان، وقمّة عدم احترام حقوق الانسان، وقمّة انحدار الأخلاق إلى الدرك الأسفل لديهما، وقمّة التميز واحتقار الكائن الآخر من طرفهما.
ولكن بفارق هام وأساسي، بين حادثة الأرخبيل سنة 1965 وما يجري اليوم في قطاع غزة بل وفي كلّ فلسطين. في حادثة الأرخبيل تمّ القضاء كلّيا على السكان وكذلك الحيوان، سواء عبر القتل بشتى الوسائل، أو بالتهجير القسري خاصة مع استسلام ما بقي منهم للهجرة الطوعية، حتى لا نقول القسرية خارج “الأرخبيل”.
في حين أنّ ما ميّز قطاع غزّة هو وجود مقاومة باسلة و صامدة وصابرة وشعب عظيم لم يساوم لا على أرضه ولا على عرضه. مقاومة، رغم كلّ المغريات، ورغم تخاذل الجميع تجاها، ورغم ظلم خاصة ذوي القربى، ورغم ما قدمته من ضحايا من أبنائها، إلاّ أنّها ظلّت صامدة لا تتزحزح عن حق شعبها ولا على سيادة أرضها وبيع دماء شهدائها بأبخس الأثمان. وكذلك شعب صامد رغم الموت الذي يتربص به في كلّ لحظة. ورغم التجويع الممنهج الذي ينفذه العدو في حق أبناء غزّة صغارا و كبارا و شبابا وشيوخا ورجالا ونساء، ورغم فقدانه لأبسط مقومات الحياة : فهو بلا مسكن يأويه و لا غذاء لعيش و لا دواء ليشفى و لا ماء لتتواصل الحياة، إلاّ أنّه رغم كلّ ذلك لم يفرّط لا في مقاومته ولا في أرضه و لا في عرضه و لا خان ولا استسلم و رمى المنديل.
لا حلّ لدى العدو إلاّ مغادرة غزّة صاغرا
على أساس هذا الفارق في استبسال الفلسطينيين دفاعا عن أرضهم وعرضهم، رغم مرور حوالي سنتين من القتال وأكثر من 70 سنة من الاحتلال، وبالرغم من الفوارق في الوسائل والعتاد العسكري، وبالرغم من البطون الخاوية، وبالرغم من كلّ محاولات الغرب واصطفافهم وراء الكيان الصهيوني، تسليحا ومالا ووسائل لوجيستية، إلاّ أنّه اتّضح وأنّ هذا الكيان الصهيوني غير قادر على كسر إرادة الشعب الفلسطيني، الذي أراد الحياة، وتمسّك بوطنه حتّى الموت والاستشهاد. بل يتجه هذا الكيان نحو هزيمة مزلزلة. خاصة مع ارتفاع الأصوات هنا وهنالك عبر نصح هذا الكيان بعقد صفقة شاملة قبل فوات الأوان. ولعلّ أبرز مظاهر هذه الهزيمة، التململ داخل الجيش الاسرائيلي وتمرّده على تنفيذ الأوامر. فضلا عن حرب الاستنزاف التي طالت العدو في المال والعتاد وفي الأرواح.
والأهم من كلّ هذا انكشاف الوجه الاجرامي لهذا الكيان وسقوط ورقة التوت التي كان يخفي وراءها عورته. ولكن يبقى ما يثلج الصدر ويؤرّق بالفعل العدو، هو ذلك التسونامي الدولي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. وبالتالي تاه الحلم الصهيوني في زخات بنادق المقاومة وصمودها. وضاع حلهم في رسم شرق أوسط جديد، تكون اسرائيل هي السيد الآمر والناهي فيه؟
كلمة أخيرة
في الأخير، كم تمنيت، على مختلف الأنظمة العربية، قراءة الوضع الجيو – سياسي قراءة موضوعية والابتعاد عن التحالفات التي لا تجدي. وبالتالي التخندق في المواقع الصحيحة، بعيدا عن رقصات الغرب الذي لا يعرف إلاّ مصالحه، لأنّه لا يرى في هذه الأنظمة الخانعة إلاّ بيادق تخدم مصالحه.
وإن أصبحت هذه الأنظمة غير قادرة على تأمين تلك المصالح لفظها كبقايا سيجارة وداسها تحت جزمته. فهذا الغرب يحتقر الضعيف والموالي له بطريقة ساذجة، ويحترم القوي وصاحب الإرادة وصاحب الموقف الجريء حتى ولو صدرت تلك المواقف عن ألدّ أعدائه؟ فحذار من مزابل التّاريخ؟
فقد يأتي الدور على بعض هذه الأنظمة الخانعة خاصة أمام تهديد نتنياهو بقضم وضم العديد إلى حلم إسرائيل الكبرى قد سمّى بعض هذه الدول المعنية بالقضم والسيطرة عليها بالإسم وبكل تحدّ؟ وبالتالي قد لا يقف الإجرام الأمريكي إلى حدّ سنة 1965 ولا الإجرام الصهيوني إلى حدود سنة 2025؟




