علمتني الصحافة…

كتب صالح الحاجة
أنا مدين للأديب والناقد المصري الكبير رجاء النقاش (ربي يرحمو).
مدين له بالكثير لانه علمني الكثير …
مدين له على اعتبار أن من علمني حرفا فانا عبد له ..
ورجاء لم يعلمني حرفا فقط ..
علمني كل الحروف ..
علمني أخلاقيات الكتابة …
علمني كيف استخدم قفازات من حرير وانا اكتب ..
علمني ان لا اعادي …ولا احطم …ولا أنظر الى البقعة السوداء في الثوب الابيض واركز عليها واتجاهل بقية الثوب ..
علمني كيف احب ..واحب ما سأكتب عنه …
علمني لا اسبح الا في البحيرات النظيفة ..
علمني ..وعلمني ..ولم يعاملني ولو للحظة بانني دونه بكثير فهو اديب كبير وانا صحفي صغير ..
ولم يحسسني ولو لمرة انني امام هرم …وعملاق …وأستاذ..
عندما أسست جريدة الصريح أرسلت طالبا منه أن يُشرفني بكتابة كلمة اسبوعية قصيرة جدا ..
وتمنيت عليه أن يساهم معي ولو بجملة اسبوعية …المهم ان تكون هذه الومضة ممضاة باسم رجاء النقاش ..
قلت له: انا اعرف مشاغلك والتزاماتك الكثيرة ولذلك لا أطمع الا في ربع كلمة ..
وماهي الا بضعة ايام حتى جاءني الرد ..
قال لي : ان مجلة ‘الدوحة’ التي أشرف على إصدارها اخذت مني كل شيء …حتى عائلتي أهملتها بسبب انشغالي بها …ولكن هناك حل وهو خذ ما تشاء من مقالاتي المنشورة فهي مقالاتك ..وتصرّف في كل ما كتبت وانشر منها ما تشاء فهي من املاكك الشخصية ..
ومازلت احتفظ برسالته هذه بالذات ..
انه نبيل وكريم ومحب …حتى انه اكرم نجيب محفوظ بكتاب يحمل عنوان: في حب نجيب محفوظ ..
وعندما كان يرأس تحرير مجلة ” الهلال” اكرم أبرز الشخصيات المصرية واصدر عنها اعدادا خاصة كانت عبارة عن موسوعات جمعت بين روعة المعنى وجمال الشكل ..
لقد جعل من ” الهلال” مجلة تساوي في العدد الواحد مجموعة من الكتب …وكانت تأتي في كل موضوع تتناوله ما لم يأت به الاوائل ..
ذات يوم حزين من أيام البداية الصعبة باح لأحد اصدقائه بجراحه وهمومه وماساته ..
قال له :
ليس هناك ما أخجل منه، إذ قلت لك، إنني إنسان من أسرة فقيرة. أبي يعمل مدرساً، وراتبه لا يتجاوز 13 جنيها في الشهر. واسرتنا تتكون من ثمانية إخوة وأم مريضة. ونعاني مصاعب اقتصادية شديدة. ولقد مضت علينا أوقات، كنا لا نجد في بيتنا رغيف خبز ولا في جيوبنا مليما. وأبي كان شاعرا ومثقفا كبيرا، لكنه قليل الحيلة إلى أبعد حد في كسب المال، الذي تحتاجه الأسرة وفى نفس الوقت يصر ـ وأمي بالطبع ـ على تعليم أخواتي، لذلك أنا مهموم وحزين، وأريد العمل من أجلهم. ثم سكت واحتمى بالصمت. .
وعمنا كان كثير الصمت ..
لا يتكلم كثيرا …وحتى إذا تكلم فبايجاز ولطف وتواضع …
وازعم ان رجاء كان كتلة من اللطف والرقة ..
وقد قالت عنه الكاتبة المصرية فريدة شوباشي :
ما من مرة قرأت لـ “رجاء النقاش” إلا وثار في ذهني ذات السؤال كيف يجمع هذا الرجل النادر بين صلابة الفولاذ والقوة الخارقة في الدفاع عن الحق وعن كل القيم المتصلة به وبين رقة النسيم وهشاشة الغصن الغض الذي لا يتحمل أي إيذاء كان بل ولا يتحمل الآخرون الأسوياء ـ إيذاءه.. كيف يعيش في “رجاء النقاش” مقاتل شرس لا يثنيه عن قناعاته تهديد أو وعيد أيا كان “السلطان” وكتلة من الرقة والحياء يستبد به القلق والخجل إذا نمت إلى أذنيه عبارة مديح أو بالأحرى عرفان بجميل عطائه لنا.
أما عن انتمائه للعروبة فلا تسل ..
انه عروبي حتى النخاع وهو من قدم لنا محمود درويش وهو لم يخرج من الأراضي الفلسطينية المحتلة ..وقبل ان يعرفه احد…وقدم لنا السوداني الطيب صالح قبل أن تشتهر روايته ” موسم الهجرة إلى الشمال ” ..
وقد كتب عنه فرانسوا باسيلي مايلي :
احد المواقف الأساسية لرجاء النقاش هو انتمائه العربي الحميم والتزامه بالعروبة فكرا وثقافة ومصيرا. وهو لايكل في الدفاع عن العروبة بكل جوانبها.
وقد امتد دفاعه والتزامه العربى لأكثر من ثلاثين عاما. فقد نشر عام 1978 كتابه “الانعزاليون فى مصر” يختلف فيه بشدة مع لويس عوض وتوفيق الحكيم – وكانت لهما رؤية مخالفة ترى أن مصر متفردة بتاريخها المصرى وان كان لها من امتداد فليكن باتجاه أوروبا والحضارة الغربية باعتبارها مستقبل النهضة الانسانية. ومؤخرا – فى مطلع 2007 – قرأت للنقاش مقالا يهاجم فيه الكتاب الذين يهاجمون العروبة ويهزأون بها، فهو إذن كاتب لا يبدل افكاره حسب الموجة واتجاه الرياح كما فعل بعض اليساريين الذين تحولوا الى اسلاميين وليبراليين أو رأسماليين. وهم كثر.
وهنا ايضا نجد اتساقا بين فكر النقاش وطبيعته التى تنفر من التلون والتنكر والسير فى الزفة. فالنقاش رجل يقول ما يؤمن به بغض النظر عن شعبية هذه المواقف.




