صالون الصريح

علمتني الصحافة

كتب: صالح الحاجة

لاول مرة أعرف ان الصحافة العربية اصابها الزهايمر ..
اعجبني التعبير …وراقت لي كلمة الزهايمر ..

وبالطبع تاسفت لما اصاب صحافتنا بعد عهود ازدهار وانتشار وانتصار ..
للصحافة العربية تاريخ طويل جدا ..

ولا أحد من عقلاء القوم ينكر دورها في النضال من اجل حرية شعوبنا العربية ..وفي نشر الوعي بكل معانيه …
قضيت طفولتي في حومة شعبية تمردت كثيرا زمن الاستعمار الفرنسي …وكانت تتعرض بصورة مستمرة الى هجمات الجيش الفرنسي ..
كنا نستيقظ في الصباح لنجد جنود فرنسا يحاصرون الحومة ويمنعون المرور والخروج من البيوت ولا يغادرون الحومة إلا عند منتصف النهار بعد أن يكونوا قد القوا القبض على من تحوم حوله شبهات حسب اجتهادهم ..
وكان تركيزهم على البحث عن الاسلحة ..كانوا يهجمون على البيوت ولا يخرجون منها الا وقد تحولت الى مناطق للرعب والخوف والفوضى ..
وكان عم محمد حجام الحومة لا يفتح دكانه المحاذي لبيتنا الا بعد منتصف النهار وانسحاب جنود فرنسا …
كان ياتي معه يوميا بجريدة ” الصباح ” ويطلب مني ان اقرا له ..
يقول لي : هيا يعيش ولدي سمعني احوال الدنيا ..
وما ان ابدأ القراءة حتى ياتي اصدقاء عم محمد ويجلسون أمام الحانوت في شكل دائرة ويلتزمون الصمت واذا ما علق أحدهم على خبر ما وبخه عم محمد قائلا : قوم برة اشري جريدة وعلق كيما تحب …هيا ماتكفرنيش ع الصباح …ويضع السبسي في فمه ويتوكل على الله في التدخين إلى آخر المساء ..
وكانت رائحة التكروري هي التي تعطر المكان ف ” يتزنزن ” راسي واشعر بشيء من الاعياء فارمي بالجريدة وأغادر المكان هربا من رائحة التكروري ..
كانت هذه الرائحة تخنقني ..وكنت اكره التكروري لانه احد اسباب مأساتي في الطفولة ..
وعندما يبدأ عم محمد وجماعته في ‘شيختهم’ بالتكروري أتعثر أكثر في قراءة الجريدة …
وكنت أقرأ ولم اكن افهم ما اقرا ..وعلى ما اذكر كنت يومئذ في السنة الرابعة ابتدائي …ولكن في مجتمع أُمي لا يحسن القراءة والكتابة كنت اظهر بمظهر (القاري الفهيم )..وكانوا كثيرا ما يثنون على طريقتي في القراءة …ويتنبأون لي بمستقبل زاهر …وكان عم محمد كثيرا ما يقول لي : اقرا على روحك ولدي بش ما تطلعش بهيم كيفي )…
وعندما كنت اقول له: لا عم محمد ما تقولش على روحك بهيم …توة نعلمك كيفاش تكتب ..
وبعد ان ( يجبد جبدة قوية من السبسي ) يضحك ويقول لي :
والله عمك بهيم بالحق ..بقى بهيم يمشي على اثنين ويحب الزطلة …ربي لا يحرمنا منها ..
ولكن ماهي الا سنوات قليلة حتى (تحرم منها ) …لقد اخترقت رئته اليمنى وتوفي سريعا قبل مغادرته مستشفى الأمراض الصدرية باريانة ..
بكته الحومة ..وخاف البعض من مصيره ..ولكن الخوف لم يمنعهم من مواصلة تناول التكروري الملعون ..
وأعود الى الزهايمر الذي ضرب الصحافة العربية لأقول إن هذه العبارة أطلقها الصحفي المصري صلاح حافظ الذي كتب يقول :
لن أبالغ كثيراً إن قلت إن الصحافة شهدت في الفترة الأخيرة واحدة من أسوأ فتراتها، إذ اختلط الحبر بالدم، وترافق القلم مع القيد، مثلما تزاملت حرية الرأي مع المحاكمات وعقوبات السجن، في معظم الدول العربية، وهو ما أصاب الصحافة بالزهايمر وضمور العضلات وتعطل انتفاضة الوعي والاستنارة وضعف مزمن في أداء الرسالة السامية على نحو سليم، وقد كنا نتمنى أن تسهم الصحافة الحرة ليس فقط في تنوير عقول الناس، ولكن أيضاً في دفع عجلة التطوير الديمقراطية نحو آفاق أرحب.
نعم صدق صلاح حافظ …
أنه لم يخطئ في التحليل والتعليل ..
لقد ” تزيهمرت ” الصحافة العربية فضيعت البوصلة واختلطت عليها السبل …
وان شاء الله لاباس ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى