عيسى البكوش يكتب/ ومضات من تاريخ مدينة تونس: مدافن الحُكّام بالحاضرة


كتب: عيسى البكوش
إنّ الموت حق على كلّ المخلوقات مصداقا للآية الكريمة ‘كلّ نفس ذائقة الموت’ حينما يقضي الإنسان نحبه فإنّ نفسه ترجع إلى ربّها ويدفن جثمانه تحت التراب فيما اصطلح على تسميته بالمثوى الأخير وهو القبر…
وهكذا يبقى الإنسان الميّت مجاورا للأحياء ولذلك فإننا كثيرا ما نردّد: إنّنا ننشئ المدن متاعا للأحياء والأموات.
وكثيرا ما نتندّر بفقدان مقبرة بمدينة النصر ولكنه تندّر من جنس السخرية السوداء.
هذا بالنسبة لعامة الناس الذين نظم في شانهم أبو العلاء المعرّي (973-1058) هذين البيتين:
صاح هذي القبور تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
ربّ لحد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الأضداد
مواقع متميزة
أمّا بالنسبة للحكام من أصحاب الجلالة والسموّ والفخامة فعادة ما “يتمتّعون” بمواقع متميزة يُدعى الواحد منها “تربة” وهي وإن كانت مكسوّة مرمرا فهي في الأصل كما في العبارة من تراب.
حتّى وإن كان ظلوما فإنّ الحاكم كثيرا ما ينفرد بهذا الامتياز لأنّ البشر عادة ما يميلون إلى إجلال من يسوسهم حيّا وتقديسه ميّتا، ولنا في ملوك الفراعنة أحسن دليل وكذا الشأن بالنسبة لقائد الثورة البلشفية في روسيا فلاديمير لينين (1870-1924) الذي حنّط جسمه وأضحى مزارا تمتدّ أمامه طوابير الزوّار، وسار الصينيون على هذا المنهاج بما فعلوا بقائد ثورتهم ماوتسي تونغ (1893-1978) ثم أنظر ماذا فعل الإفرنج بالملك لويس التاسع (1214-1270) إثر هزيمته في تونس وانقراض الحملات الصليبية بموته فلقد أصبغوا عليه سنة 1297 صفة القداسة.
أين قبور هؤلاء؟
فأين القبور من عهد الحضارة القبصية ثم الفينيقية فالرومانية والبيزنطية، وحتى الولاة بعد الفتح ثمّ الأغلبية لم يعثر المتقدّمون ولا المتأخرون على أثر لها.
أمّا عن الفترة الفاطمية فإننا نعلم أنّ المعز لدين الله الفاطمي اصطحب معه عند مغادرته المهدية في اتجاه القاهرة سنة 972 م جثامين كلّ آبائه.
وبالنسبة للدولة الصنهاجية فلا شيء يُذكر وكذلك الأمر بالنسبة لإمارة بني خراسان إلا إذا استثنينا ما ذكره المنعم سليمان مصطفى زبيس في كتابه عن “معالم تونس” الصادر عن الشركة التونسية للتوزيع عام 1971 من ” أنّ القبة البارزة في نهج ابن محمود عدد 11 مكرّر بباب منارة تحتوي على قبرين لأميرين من بني خراسان” دون إبراز اسميهما، والمعلوم أنّ عدد هؤلاء الأمراء خمسة وقد تداولوا على الحكم من سنة 1058 إلى 1159 وهم عبد الحق بن عبد العزيز وعبد العزيز بن عبد الحق بن أحمد بن عبد العزيز وعبد الله بن عبد العزيز وعلي بن أحمد بن عبد العزيز.
أمّا عن الدولة الحفصية وهي العقد الثمين في تاريخ إفريقية فلا تربة ولا قبور ما عدا قبر الأخير من أمرائها وهو مولاي حسن المتوفى بمدينة ترميني بجزيرة صقلية في شهر أوت من سنة 1575 والمدفون في مقام قاسم الجليزي بمعقل الزعيم.
إثر انتصار سنان باشا على الجيوش الاسبانية التي احتلت تونس من 1535 إلى 1574 أوكل أمر البلاد إلى الباشاوات حيدر ثمّ جعفر ثمّ رمضان.
ولمّا أقبل زمن الدايات إثر انتفاضة عام 1598 تولى عثمان شؤون المقاطعة العثمانية من 1590 إلى أن توفي سنة 1610 ودفن بزاوية أحمد بن عروس وخلفه يوسف داي الذي تواصل “ملكه” إلى سنة وفاته 1637 ودفن بتربته الكائنة بمركبّه الفريد -مسجد ومحلات – الذي صمّمه المهندس محمد بن غالب والكائن بنهج ابن زياد بسوق البشامقية.
وقد أتى على وصفه الأستاذ أحمد السعداوي في أطروحته عن تونس: مدينة عثمانية Tunis ville Ottomane الصادرة عن مركز النشر الجامعي سنة 2010. وقد أورد ما ذكره الوزير السرّاج في “الحلل” من أنّ شاهد قبر يوسف داي حمل هذه المحاسن:
“هذا ضريح مفرد في جامع
جمع المحاسن مثله لا يوجد
فيه ثوى بحر المكارم يوسف
أنشأ محاسنه السنية أحمد
كلّ العقول لقد قضت بكماله
كالبدر حفّ بهالته الفرقد”
تربة الباي
ثمّ لما جاء زمن المراديين ابتنى محمد باي تربة تأوي جثامين آبائه وأبنائه على نمط تربة يوسف داي وهي جزء من المركب البديع الذي ابتناه حمودة باشا المرادي المتوفى سنة 1666 وحتى آخر الأمراء المراديين مراد الثالث شهر “بوبالة” فقد دفن رأسه المقطوع في مكان قصيّ من التربة.
ولكن أشهر تربة في مدينة تونس هي تربة الباي معلما وحيّا، لقد ابتناها علي باي الثاني (1712-1782) ابن مؤسّس الدولة الحسينية الحسين بن علي (1676-1740) الذي كان دفن رأسه بعد مقتله على يد ابن غريمه علي باشا في مقام قاسم الصبابطي ومن بعده دفن ابنه الرشيد (1709-1759) في نفس المقام.
أما الباي علي ابن أخ الحسين فقد دفن في مدرسته الباشية.
وتمّ دفن بقية البايات في تربتهم الأثيلة باستثناء الأخيرين منهم وآخر باي وارى التراب في هذه التربة هو أحمد الأوّل فقد ذكر كاتبه أحمد ابن أبي الضياف صاحب “الإتحاف”: ” دفن الباي غرة جوان 1855 بتربة آله على فخامة لم تعهد مثلها وضعوا ذلك الجسد على التراب والآمال سراب وكلّ ما فوق التراب تراب والدنيا أحلام والعمر منام”.
ولعلّ هذا السجع يحيلنا إلى ما نظمه الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي:
” هذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان
أين الملوك ذو التيجان من يمن وأين منهم أكاليل وتيجان”.
توفي الباي التاسع عشر والأخير محمد الأمين باي يوم غرة أكتوبر 1962 ودفن بمقبرة سيدي عبد العزيز بالمرسى.
أمّا سلفه المنصف فقد اختار أنصاره وكانوا كثرا أن يُدفن بجوار مقام أبي الحسن الشاذلي بمقبرة الجلاّز وذلك إثر جنازة مهيبة انتظمت يوم غرّة سبتمبر 1948.
وبعد، فأين الحكّام من عهد عاد، وشدّاد وقحطان
أتى على الكلّ أمر لا مردّ له حتى قضوا فكأنّ القوم ما كانوا.




