علمتني الصحافة..

كتب: صالح الحاجّة
علمتني الصحافة …وعلمتني الحياة عموما..ويبقى أهم درس تعلمته هو عاش من عرف قدره..
وانا عرفت قدري فلم تأخذني رياح الغرور والادعاءات والبطولات الزائفة..ولم تغرقني امواج الأوهام والوسوسة بحيث لم اتحول الى الطيب جعبة ..
لست الطيب جعبة ولم اتشبه به ولو قليلا ..
وكنت دائما اقف على الارض …ولا اخطئ في حق الناس ..ولا أبني قصورا على الرمال …ولا اتطلع الى قطف نجوم مستحيلة…
وكنت احدد لنفسي حدودا ضيقة لا أتعداها ..
وكنت أستحي من مدح نفسي فما انا الا قطرة من بحر ..
وليس هذا من قبيل التواضع الزائف وإنما هو من باب الموضوعية والنزاهة والمقياس الواقعي ..
وانا كثيرا ما ازداد اقتناعا بصغري عندما أقارن نفسي بكبار الصحفيين والكتاب التونسيين والعرب …
جان دانيال الصحفي الفرنسي الشهير قال لي في رسالة شخصية بعث بها إلى من باريس : الصحفي في البداية صغير ..وفي النهاية كبير …لكن على شرط أن لا يعيش بين المرحلتين لنفسه ..
وأضاف : وانت وكل زملائك التونسيين عليكم ان تتعلموا كيف تكبرون ..
ولن تكبروا الا إذا اقتنعتم بانكم صغار ..
وكانت هذه الرسالة ردا على “بطاقة ” كتبتها في جريدة الصباح انتقدت فيها الحفاوة المبالغ فيها التي يلقاها في كل زيارة من زياراته الى تونس زمن بورقيبة …
ومن المعروف جدا أنه كانت له علاقة صداقة مع بورقيبة ..
وقلت فيما قلت في تلك البطاقة ” أن دانيال هذا ليس عبقرية خاصة وانما يرجع الفضل في ذيوع اسمه الى مناخ الحرية التي تنعم بها الصحافة الفرنسية ..وهذا مناخ مفقود في تونس ولذلك فإن الصحفي التونسي لا يمكن مقارنته بدانيال ..
وقد جاءتني الرسالة عن طريق السفارة الفرنسية بتونس التي يبدو أنها هي التي أطلعته على ال” بطاقة ” بعد أن ترجمتها إلى الفرنسية …
وبما اني ” خواف ” فلقد قرات الرسالة ووضعتها في ارشيفي الخاص ولم أكتب عنها …قلت في نفسي ” شكون يعرف على البلاء ” …قد يفهم اولاد الحلال في بلادي اني ازعجت صديق الرئيس فيوبخوني وذلك اضعف الايمان ..
وانا “فديت ” من التوبيخات ..فاقلب الصفحة وواصل ” المشي الحيط الحيط ” …واتباع خريطة ” يمكن المرور مع ملازمة الحذر” ..
والحذر هذا اصبح عندي بعد سنوات قليلة من العمل رفيقي اليومي الذي يلازمني بالليل والنهار ..
ولكن هذا الحذر كان يصل في بعض الاحيان الى درجة ” المساطة ” فتفقد كل الأشياء معانيها وطعمها فتنقلب الحياة الى غابة بلاستيكية لا طعم لها ولا لون ولا رائحة ..
وقد خسرت بسبب هذا الحذر المبالغ فيه ..ما خسرت ..
خسرت ربيع عمري ولم أعشه ولم أتمتع بثمراته ..ولم استمتع بأزهاره ..ولم اجلس في حدائقه …ولم اعرف أشعاره …ولم اشنف سمعي بأغانيه ..ولم أرقص تحت مطره ..
لقد مر دون ان ادري ولم اكتشف مروره الا بعد ان ضاع مني ووجدت نفسي في قلب الخريف فرفعت باتجاه السماء وطلبت من الرحمان الرحيم ان يعطيني قليلا من الطمأنينة …
ولكن حتى وانا في قلب الخريف لم استطع ان اتخلص من سم الصحافة الذي يجري في دمي..وهذا السم يترسب في الدم بسبب فيروس لا دواء له …
وقد حاولت …و حاولت ان اعالج نفسي من هذا الفيروس ولكنني فشلت ..
إن الصحافة في نهاية الأمر هزمتني …
ولكنها هزيمة مشرفة ..
يقول الصحفي المصري الكبير موسى صبري في كتابه “50 عاما في قطار الصحافة ” :
ولدت إنسانا ..واعيش صحفيا..وسوف اموت صحفيا ..
ولكن جاهدت النفس ألا يموت الإنسان في كياني ..
حاولت دائما أن انتصر لهذا الإنسان …والصحفي حامل الحقائب ..يؤدي واجبه..ولا يترك القطار في رحلة العمر
…
ولست أدري حتى الآن..هل انتصر الإنسان …اوانتصر الصحفي …ولكن الذي أدريه أنني لم اشا ان اترك القطار ابدا…
موسى صبري لم يترك القطار وانا لم اغادر القطار …




