صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ المشروع الإسرائيلي: تغيير وجه الشرق الأوسط انطلاقا من ميدان غزة

slama
كتب: نوفل سلامة

عاد الحديث في الآونة الأخيرة في الأوساط اليهودية وفي الخطاب الرسمي لرجال السياسة من اليهود عن صياغة جديدة للمنطقة العربية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط ورسم حدوده من جديد وفق الرؤية اليهودية.

حلم إسرائيل الكبرى

كما عاد من جديد الحديث عن الحلم اليهودي بإنشاء دولة إسرائيل الكبرى التي بشّرت بها التوراة كما يقول المتدينون اليهود الماسكون بدواليب دولة الاحتلال الإسرائيلي والحالمين بإسرائيل التاريخية حسب زعمهم وحدودها من النيل إلى الفرات تضم أجزاء من مصر وأخرى من الأردن وسوريا وحتى أراضي من المملكة العربية السعودية والعراق فضلا عن كامل فلسطين ولبنان وهناك من يتحدث عن حدود تصل إلى البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن.
جاء هذا الحديث من قبل القادة الإسرائيليين وتحديدا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سياق الحديث عن إمكانية التوصل إلى هدنة بين فصائل المقاومة الفلسطينية والدولة العبرية تمهيدا لإيقاف إطلاق النار وإنهاء الحرب المفروضة على سكان غزة وإنهاء معاناتهم التي لم تعد تحتمل أكثر وخاصة الحصار المفروض عليهم والذي عرّض السكان إلى عملية تجويع وقتل ممنهج و متعمد بموافقة أمريكا وسكوت الغرب ومباركة من بعض الدول العربية.

تحقيق الحلم التوراتي

كما يأتي الحديث الإسرائيلي عن تحقيق الحلم التوراتي بإقامة دولة يهودية على كامل الأرض التاريخية المزعومة في سياق المفاوضات الأخيرة لتهجير كل سكان غزة من القطاع المدمر وإعادة توطينهم في صحراء سيناء المصرية وفي أجزاء من الأردن ونزع سلاح كتائب عز الدين القسام وتفكيك المقاومة الفلسطينية والقضاء على حركة حماس وخاصة جناحها العسكري وإخراج عناصرها من غزة نحو وجهة أخرى في مقابل إنهاء الحرب والقتال ولو ظرفيا والإفراج عن كل الرهائن لدى حماس دفعة واحدة لا على مراحل.

المشكل في هذه الرؤية اليهودية الأمريكية الأوروبية لترتيب الوضع المستقبلي للسكان في فلسطين وكيفية إنهاء عملية الإبادة الجماعية التي يتعرضون إليها ولحل الدولتين الفكرة التي لم تعد مطروحة اليوم ولإنصاف الفلسطينيين في حقهم في أن تكون لهم دولة مستقلة على أرضهم التاريخية كسائر الشعوب وباقي الدول في العالم أن الفكرة اليهودية التوراتية والمشروع الإسرائيلي الصهيوني فضلا عن حصوله على التأييد المطلق من أمريكا، والكثير من الدول الأوروبية يجد الموافقة والمباركة من بعض الدول العربية وخاصة دول الطوق الفلسطيني وتحديدا بعض الأنظمة الخليجية التي اتضح اليوم أنها لعبت دورا مؤثرا في الحرب على غزة من خلال سكوتها على ما يحصل وبما توفره من دعم وإسناد مادي ومعنوي لإسرائيل حتى تستمر في حرب الإبادة والمواصلة في حرب التجويع وتوفير الغطاء والحماية العربية لاستطالة العدوان على الشعب الغزاوي لمحوه من الوجود، والانتهاء إلى الأبد مع هذا الملف وهذه القضية المزعجة لهذه الأنظمة العربية والتخلص من عبئها الثقيل عليهم.

لا ترى خطرا في إسرائيل!

المثير في سلوك هذه الأنظمة العربية المورطة في تحقيق المشروع الإسرائيلي والمشاركة بجدية في تحقيق هذا الحلم الديني لليهود فوق الأرض العربية أنها لا ترى في الكيان الإسرائيلي الخطر الكبير على العرب والمسلمين ولا تعتبر أن الصهيونية تمثل تهديدا للوجود العربي في المنطقة، ولا تؤمن بأن المشروع الاستيطاني الصهيوني بصيغته الدينية التوراتية هو خطر على بقاء كياناتهم واستمرار حكمهم وإنما هي مؤمنة بأن الخطر الجدي للمنطقة ولها يكمن في خط المقاومة وكل من يقف وراءه وأن التهديد الفعلي الذي يواجههم هي حركات المقاومة الوطنية وحركة حماس تحديدا التي يجب القضاء عليها وإنهائها.

المثير أن حرب الإبادة التي يقودها نتنياهو وآلته الحربية تحظى بدعم كبير ومتواصل من ثلاث جهات رئيسية الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية وجانب من الدول العربية وكيانات الطوق الفلسطيني ولولا هذا الغطاء والدعم العربي لدولة الاحتلال لما كان لإسرائيل أن تمعن في القتل والتدمير والتهجير والتجويع.

ولا موقف واحد؟

المثير أنه بعد موافقة الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون تقدم به الائتلاف الحاكم في إسرائيل المتكون من أحزاب يمينية وأخرى دينية يدعو إلى ضم الضفة الغربية المحتلة وأجزاء من الأردن وأخرى من مصر وأخرى من سوريا إلى دولة إسرائيل الكبرى وفرض السيادة على ‘يهودا والسامرة’ وهي التسمية التوراتية للضفة الغربية مؤكدين على أن الفرصة مناسبة ويجب استثمارها لتحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى وحدودها من النيل الى الفرات و أن بعد أن صرح وزير الطاقة الإسرائيلي ” إيلي كوهين ” بأنه لن تكون هناك سوى دولة واحدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن هي دولة إسرائيل، لا نجد من العرب من حرك ساكنا ولا من غير سلوكه السياسي تجاه هذه التصريحات الجدية ولا من اتخذ موقفا حازما وفاعلا لإيقاف هذه التهديدات التي لا تهدد أمن الشعب الفلسطيني فحسب وإنما هي تهدد أمن كامل المنطقة العربية وتهدد الوجود العربي في منطقة الشرق الأوسط…

المشروع الإسرائيلي لن يتوقف

ذلك أن المشروع الإسرائيلي والحلم اليهودي لن يتوقف عند هذه التصريحات بل هو ذاهب في المستقبل إلى ضم مساحات أخرى من المملكة العربية السعودية الأرض التاريخية التي وجدت بها كيانات يهودية تم طردها في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم من الجزيرة العربية وهي لن تنسى ما حصل لها وتحلم بالعودة إلى أرض الأجداد كما يسمونها المثير أن لا تجد من يأخذ هذا الكلام على محمل الجد ويتدخل لصد هذا المشروع الاستيطاني الخطير.

ترحيب عربي مزعوم

المثير في هذا الموضوع أن الإعلام العبري يتحدث عن وجود ترحيب عربي بخطة إسرائيل لتفكيك حركة حماس ولا يخفي المعلومات والمعطيات عن تورط حكومات عربية و إقليمية في المشروع الإسرائيلي ضد غزة وكشف عن استعداد دولة لدفع 43 مليار دولار لإعادة إعمار غزة مقابل المساهمة في تشكيل حكومة فلسطينية معتدلة لا تتبع السلطة الفلسطينية ومن دون حماس ما يعكس محاولة إعادة هندسة المشهد الفلسطيني بما يخدم الأجندة السياسية لإسرائيل وحلفائها.

ترحاب واستحسان

المثير أن إسرائيل عرضت خطة لتفكيك حركة حماس على عدد من كبار المسؤولين في العالم العربي لاقت من قبلهم ترحابا واستحسانا وتحمسا من بين بنودها إفراغ قطاع غزة من السكان ونقلهم نحو الجنوب تمهيدا للعملية العسكرية المقرر القيام بها لاحتلالها بالكامل وضمها لإسرائيل ورغم خطورة هذه الخطوة على وجود الشعب الفلسطيني وعلى أمن الدول المجاورة المساندة لإسرائيل فإن هذه الدول غير مبالية لما سوف يحدث لغزة وهي موافقة في اتفاقيات سرية مع إسرائيل على التضحية ببعض أراضيها وأجزاء من حدودها من أجل إنهاء القضية الفلسطينية وإنهاء فكرة المقاومة التي مثلت لهم عبئا ثقيلا وحملا لم يعودوا يطيقونه.
المثير الآخر أنه رغم تواصل العمليات العسكرية ضد المدنيين في غزة وتصاعد الجرائم الإسرائيلية المرتكبة بحق الباحثين عن الغذاء ورغم الدمار والقتل والتهجير وأعمال الإبادة الجماعية التي أدانتها محكمة الجنايات الدولية فإن كل ذلك لم يمثل حرجا للعرب في علاقتهم بإسرائيل ولا دفعهم إلى مراجعة هذه العلاقة المشبوهة بل أن وتيرة المعاملات التجارية وتبادل السلع بين الكيان المحتل ودول عربية لم تتوقف و شهدت خلال أيام الحرب تطورا ملحوظا…

ونذكر هنا بالخصوص المبادلات التجارية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية حيث عرف حجم المعاملات والمبادلات التجارية نسقا غير مسبوق وطالت الكثير من المواد الفلاحية والغذائية وحتى العسكرية وفي مجالات التكنولوجيا العسكرية وعمليات نقل الأسلحة التي استعملت في حرب الإبادة عبر خط جوي لتوفير المدد من السلاح وجنود الاحتياط.
كل هذه المعطيات والحقائق التي لم تعد مخفية على أحد وتتناقلها مختلف وسائل الإعلام العربية والأجنبية ولم يعد يجهلها رجل الشارع في الوطن العربي تؤكد أن حرب الإبادة الجماعية وحرب التجويع المفروضين على سكان غزة وإن كان وراءهما الدعم الأمريكي والتأييد الأوربي فإنه ما كان لهما أن يقعا بذلك الحجم من الخسائر وما كان لهما أن يتواصلا في الزمن بكل هذا التشفي والانتقام والقتل المتعمد لولا مباركة بعض الأنظمة العربية التي ساهمت في هذا التقتيل من خلال صمتها ومن خلال الترفيع من وتيرة المبادلات التجارية ومن خلال غلق المعابر الحدودية لمنع إيصال الدواء والغذاء…

مسؤولية تاريخية

وكل هذه الحقائق تجعل من الجريمة الكبرى التي يتعرض إليها الشعب الفلسطيني يتحمل مسؤوليتها التاريخية والسياسية والأخلاقية في جانب منها حكومات الطوق الفلسطيني وهي مسؤولية تاريخية سوف يذكرها التاريخ وتسجلها الذاكرة على عملية خذلان وعملية تواطؤ ومشاركة وتأييد ومباركة حصلت لشعب عربي من طرف دول وحكومات تدعي العروبة والإسلام.
المحير في أمر هذه الحكومات العربية وهؤلاء الحكام العرب في معرفة جوابهم وردة فعلهم حينما يأتي يوم الحساب على من يحاججهم من سكان غزة عن تخاذلهم في نصرتهم بقوله تعالى “ ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى