العودة المدرسية على الأبواب..وتأمين مستلزمات الدراسة..يفاقم معاناة الأولياء..

مما لا شك فيه أن التخوفات من مصاريف العودة المدرسية في تونس هي هاجس حقيقي ومشروع لكل أسرة تونسية تقريبًا، خاصة في الظرف الاقتصادي الحالي.هذه التخوفات ليست مبالغًا فيها،بل هي انعكاس لواقع مادي صعب..
اقتربت العودة المدرسية..
في هذا الإطار، بدأ العد التنازلي للعودة المدرسية وبدأت معه حيرة وقلق الأولياء حول كيفية تأمين مستلزمات الدراسة في وقت تسجل فيه تكلفة هذه العودة ارتفاعا مشطا من موسم إلى آخر.حيث يجمع الكثير من الملاحظين والمهتمين بالمسألة التعليمية وخاصة أولياء التلاميذ ان تكاليف العودة المدرسية اصبحت باهظة جدًا وباتت تشكل عبءا ثقيلًا على المواطن الذي أصبح عاجزًا عن مجابهتها لاسيما في ظل ما تشهده المقدرة الشرائية من تراجع..
جهود الدعم
ولرفع تحدي العودة المدرسية تتكثف مع اقتراب كل موسم دراسي ايضا مجهودات المنظمات والجمعيات الخيرية في مختلف ربوع البلاد لجمع وتوزيع المساعدات على أبناء الأسر المعوزة كما تتكثف الدعوات والنداءات على منصات التواصل الاجتماعي، من قبل نشطاء المجتمع المدني للانخراط في حملات توفير المستلزمات المدرسية لآلاف التلاميذ القاطنين في مناطق فقيرة والذين تواجه عائلاتهم صعوبات في التكفل بعودتهم إلى المدارس..
لكن يبقى السؤال المطروح اليوم هل أن هذه المساعدات والمد التضامني قادرة بالفعل على مساعدة أولياء التلاميذ على مجابهة غول الغلاء ومعضلة الدروس الخصوصية التي مازالت تستنزف المقدرة الشرائية للمواطن التونسي،هذا إلى جانب تكاليف النقل والسكن للتلاميذ والطلبة الذين يضطرون للتنقل من أجل التحصيل العلمي..؟!
كابوس حقيقي؟
لقد أصبحت إذا،العودة المدرسية والجامعية في السنوات الأخيرة كابوسا حقيقيا يقض مضاجع التونسيين مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، كما أن تراجع مستوى التعليم العمومي زاد من المصاريف وذلك مع إقبال التلاميذ مضطرين على دروس التدارك من أجل تجاوز النقص الفادح في التكوين،ومع إقبالهم أيضا على التعليم الخاص الذي أفرغ الجيوب.
وفي هذا السياق، نشير إلى أن التعليم في تونس يتمتع بقداسة قد لا يوجد لها مثيل في عديد البلدان الأخرى، وهو ما يجعل العائلات تعتبره هاجسها الأكبر وتنفق عليه على حساب مصاريف أخرى تبدو ذات أهمية بالغة بالنسبة إلى الشعوب الأخرى.كما أن دولة الاستقلال أعطته الأولوية على حساب البنى التحتية والأبراج الشاهقة والتسلح وأشياء أخرى كان يمكن إنجازها،وأنفقت عليه ما يزيد عن ثلث الميزانية السنوية طيلة عقود..
سلم اجتماعي..ولكن
وقد كان التعليم في الماضي القريب سلما اجتماعيا يمكن التلاميذ والطلبة من ضعاف الحال من الارتقاء الطبقي والنهوض بمستوى أسرهم التي تكون قد دفعت الغالي والنفيس من أجل تعليمهم أفضل تعليم،لكنه تراجع اليوم وأصبح يشكو عديد النقائص.
يشار إلى أن العديد من الأسر أصبحت تشتري الكتب والأدوات المدرسية بالتقسيط لأنها لا تستطيع توفيرها مع بداية السنة الدراسية والجامعية التي تأتي مباشرة بعد عطلة الصيف ومصاريفها، وتتزامن هذا العام مع ذكرى المولد النبوي الشريف التي لنا فيها مصاريف هامة تخص إعداد الحلويات أو العصائد المعروفة التي يقبل عليها الكبار والصغار والمكلفة على جيب المواطن.!
معضلة حقيقية
إني أتحدث هنا عن معضلة حقيقية وجب على الدولة أن تلتفت إليها وتوليها الاهتمام اللازم، فلا أحد بإمكانه اليوم إنكار أن الشعب التونسي يئن من كثرة المصاريف والأعباء التي حولت حياته إلى معاناة مضنية نتيجة تراكمات ونتيجة لإهمال من تداولوا على حكمه في العقود الأخيرة للجوانب الاجتماعية وأهمها القوت اليومي والتعليم والنقل والصحة وانصرافهم إلى كل ماهو سياسي ودستوري.وهذا موضوع آخر يستدعي الحبر الغزير..
مصدر قلق سنوي
في ذات السياق، يرى الناشط المدني والحقوقي ابراهيم.ع في حديثه لـ الصريح أونلاين أن العودة المدرسية لم تكن كما كانت في السابق،أي ينتظرها التلاميذ والطلبة والأساتذة والمعلمون والآباء بفارغ الصبر للاحتفال بها، لقد أصبحت مصدر قلق سنوي لنسبة هامة وكبيرة من حيث العدد من التونسيين.فالقدرة الشرائية نزلت، حسب محدثنا،إلى الحضيض والدولة عاجزة عن التحكم في الأسعار وهو ما سيؤثر سلبا وفي قادم السنوات على نسبة التمدرس في البلاد وسيزيد من ظاهرة الانقطاع المبكر عن التعليم..
ويضيف-محدثي-“لا يعقل أن يحصل هذا في بلد مثل تونس راهن على التعليم وسخر له كل امكانياته منذ فجر الاستقلال،إذ من المفروض أن يزيد دعم التعليم والبحث العلمي لا أن يحصل هذا التراجع الرهيب والمخيف..! ”
وأنا أقول: لقد قامت الثورة من أجل تحسين الأوضاع الاجتماعية والارتقاء بالإنسان التونسي في مجالات عديدة ومن أهمها التعليم الذي يجب أن يكون إجباريا ومجانيا ويتمكن من خلاله الجميع ومن دون استثناء من الارتقاء في السلم الطبقي..
وختاما،أؤكد أن تخوفات الأولياء مبررة تمامًا وتشكل مؤشرًا صادقًا على عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في تونس.فالعودة المدرسية من كل سنة أصبحت “كابوسًا ماليًا” يثقل كاهل الأسر، ويجبر الكثيرين على خيارات صعبة بين تأمين تعليم أبنائهم وتلبية الحاجات الأساسية الأخرى. هذا الوضع لا يهدد الاستقرار المالي للأسر فحسب، بل قد يؤثر على حق أساسي من حقوق الطفل وهو الحق في التعليم الجيد إذا اضطرت بعض الأسر إلى التقتير على جودة المستلزمات أو التخلي عن بعضها.
وأرجو أن تستساغ رسالتي جيدا..وأن لا يقع إخراجها عن سياقها الموضوعي..!
محمد المحسن




