على أعمدة جريدة الصريح…منحني تأشيرة مفتوحة لأكتب ما أشاء وكيفما أشاء..


كتب :عز الدين الباجي
في زمن كانت فيه الكلمة تُعدّ جريمة، والحرف سببًا كافيًا للمساءلة، لم تكن جميع الصحف تتيح للكاتب مجالًا للحرية الحقيقية. لكن جريدة أضواء كانت أول من احتضن مقالاتي، ثم فتحت لي الصريح أبوابها سنة 2004 لتواصل مسارها في حماية الصوت الحرّ.
كانت هاتان الصحيفتان منارات للجرأة الفكرية، وفضاءً آمنًا للكلمة التي لا تعرف المهادنة، فتشكلت بين أعمدتهما تجربتي النقدية، وازدهر صوتي بين صفحاتهما دون قيود أو رقابة مع تجربة أطول زمنيا في الصريح التي احتضنت أكبر عدد من مقالاتي..
فضاء الحرية في زمن الرقابة
في تلك المرحلة، كان الكاتب يدخل حقل ألغام: كل جملة تُقرأ على أنّها اتهام، وكل رأي يُفهم على أنّه خروج عن الصف. ومع ذلك، فتحت لي الصريح أبوابها، وقبلها أضواء، وسمحت لمقالاتي أن ترى النور، لتعلن بشجاعة أنّ الحبر لا يُكسر، وأن الحقيقة لا تُدفن مهما اشتدّ الخوف.
عناوين للوفاء
ولا يفوتني هنا أن أرفع شكري العميق إلى الكبير صالح الحاجة، صاحب جريدة الصريح، الذي آمن بقدرة قلمي ومنحني تأشيرة مفتوحة لأكتب ما أشاء وكيفما أشاء، متسلّحًا بالمصداقية والمعلومة الثابتة. كما أخصّ بالشكر الصديق عبد الرزاق الشابي، أول من احتضن مقالاتي على أعمدة جريدة أضواء حين كان يرأس تحريرها، مؤكدًا أنّ الصحافة الحقيقية تمنح الصوت الحر مساحة لتعلو الحقائق على الزيف. ويظلّ امتناني موصولًا أيضًا إلى الصديق سمير الوافي الذي كان يفتح أمامي مساحات النشر كلما طلبت، مؤكّدًا أنّ الصحافة ليست مهنة جامدة بل شراكة في حماية الكلمة وكشف المستور. ولا أنسى صديقي الصحفي الكبير شكري الباصومي الذي كان يتّصل بي في كلّ مرة تنشر لي فيها الصريح إحدى مقالاتي النقدية، فقط ليطمئن أنّي ما زلت في حالة سراح، في صورة تختزل تمامًا معنى الكتابة في تلك المرحلة، ومعنى الصداقة أيضًا.
مدرسة في الجرأة
لم تكن التجربة مجرّد نشر مقالات، بل كانت مدرسة في الجرأة ودروسًا في أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع. هناك، بين أعمدة الصريح وسبقها أضواء, تبلورت ملامحي ككاتب نقدي، وتشكّل وعيي بأن وظيفة الكلمة ليست التزيين ولا التلميع، بل أن تكون مرآة للواقع، شهادة على الزمن، وحارسًا للذاكرة الجماعية. ما كتبته لم يكن نصوصًا عابرة، بل جزءًا من معركة صامتة ضد الرداءة والتضليل، معركة ما زلت أخوضها حتى اليوم بإصرارٍ أشدّ.
القلم الذي لا يساوم
كنتُ وما زلت أحمل قلمًا لا يعرف التملّق ولا المهادنة ولا الزيف، قلمًا ينبض بهموم القطاع الثقافي وعوراته، ويرفض أن يكون وعاءً للزيف أو أداة لتزيين الخراب. فالقلم إن لم يُصادم، فهو عاجز؛ وإن لم يُدافع عن الثقافة باعتبارها رافعة للأمم، فهو ساقط في امتحان التاريخ.
خاتمة
من هنا، تعود تحيّتي بكل وفاء إلى جريدة الصريح، وإلى كل صحفٍ كانت قبلاً كـأضواء التي آمنت بالكلمة الحرّة، ولم تخذل القلم يوم كان وحيدًا، لتثبت أنّ الصحافة الحقيقية لا تُقاس بعدد النسخ ولا بسطوة العناوين، بل بقدرتها على حماية الكلمة حين تُصبح الكلمة جريمة.




