صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: ’الشيخ ڤوڤل’

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

كلمة شيخ حمّالة لأكثر من معنى ففي الحقل الديموغرافي، هي تعني فترة عمريّة وجيلنا يتذكّر ذلك المقطع الشهير لـ بيان السابع من نوفمبر 1987 إثر عزل الرئيس الحبيب بورقيبة “لقد أحببناه وعملنا تحت إمرته ولكن أمام طول شيخوخته »…

الشيوخ أنواع..

وهي تعني أيضا المرتبة أو المكانة في المجتمع: شيخ القبيلة، شيخ التراب، شيخ المدينة وهي الحالة التي ابتليت بها وأنا في الثلاثين من عمري، وشيخ الغرفة “الفتيّة” وحتى “شيخ العرب” مثلما سميّ الحي المتاخم لمطار العوينة…

وكذلك هي درجة إدارية من قبل أن تُحال على المعاش ويخلفها العمدة وما أدراك ما عمدة الحي. وقد ذهب أحد ولاتنا في الثمانينات في تونس الكبرى إلى إطلاق صفة “الباش عمدة” على ممثله في المدينة العتيقة إكبارا له وربّما تقرّبا منه فهو عينه التي لا تنام وأذنه المفتوحة على الأنام…

خريجو الزيتونة أيضا

والشيخ هو كذلك النعت الذي يتمتّع به خرّيجو جامع الزيتونة والمؤدّبون في الكتاتيب وذلك تقديرا لهم بما أنّهم حاملون لكتاب الله العزيز في صدورهم. وكذلك الشأن بالنسبة للعلماء منهم والذين يتولون الإمامة أو الإفتاء فتضاف إلى مشيختهم عبارات الفضيلة والسماحة الجديرة بـ”شيوخ الإسلام”، وهم يتميزون على غيرهم بلباسهم من رأسهم إلى قدميهم ولذلك فهم يرتدون الصدريّة والمنتان والفرملة، والبشمق والريحية، وبالخصوص “الكشطة” وهي علامة مسجلة في ذاكرة أهل هذا البلد…

هذه آخر ‘كشطة’!

لقد أسرّ لي الصديق المنعّم سمير العنابي عند جنازة الفقيد العلامة محمد الشاذلي النيفر ‘هذه آخر كشطة يقع دفنها’.
هل معنى هذا أنّه بوفاة شيخنا الذي خلف الشيخين محمد الطاهر ابن عاشور وابنه محمد الفاضل انقطع السند؟، لا أظنّ فـ “الكشطة” لم تعد تعني بالضرورة أنّ صاحبها أوتي قدرا من الحكمة.
يقول الإفرنج: ‘إنّ اللباس لا يدلّ بالضرورة على القسّ’ وقد يعدّها البعض عنوانا للتشدّد خاصة إذا ما كانت معطوفة بـ”أربط”.
ولكن كلمة الشيخ تبقى محبّذة ومطلوبة…

روى لي القائد المنعّم زكرياء بن مصطفى أنّ والده المنعّم رشيد أحد مؤسّسي الخلدونية طلب منه أن يغادر معهد كرنو ويلتحق بالزيتونة لأنّه لا يجوز أن لا يكون لعائلة بن مصطفى “شيخ” وتحوّل الابن البار ولعلّه الوحيد في تلك الحالة التي ينتقل فيها من الجلوس على المقعد المريح بمدرج المعهد الحديث إلى التربّع على إحدى حصائر الجامع العتيق.
فأصبح صاحبنا شيخا إلى جانب صفته الأخرى كدكتور في علوم الأحياء البحرية.
وكلمة “الشيخ” ليست حكرا على المسلمين فحتى قوم عيسى يطلقونها على بعض أعلامهم وقاداتهم كالشاعر إبراهيم اليازجي (1847-1906) وبالخصوص والده الشيخ ناصيف اليازجي (1800-1871) صاحب البيت البديع:
” وردٌ بخديّك أم هذا خضاب دمي
فقد أراقت دمي بالسحر عيناك”.
وكذلك الرئيس الراحل الشيخ بيار جميل (1905-1984).

أمّا قوم موسى فقد أطلقوها على أحد مطربيهم وهو “الشيخ العفريت” كما أطلقناها نحن على بعض المتقدّمين في مجالات عدّة كشيخ الأدباء: العربي الكبادي (1880-1961)، وشيخ الفنانين: خميس ترنان (1894-1964)، وشيخ الشعراء: الطاهر القصّار (1889-1988)، وشيخ الرسّامين وشيخ الصحافيين وشيخ الطريقة وشيخ الحضرة وشيخ الزاوية وشيخ العزّابة، وشيوخ آخرين … بدون مشيخة.
دون أن ننسى الفنان الملهم الشيخ إمام عيسى (1918-1995).

الشيخ “ڤوڤل”

وفي العصر الحديث المطبوع بالذكاء الاصطناعي برز شيخ ذو قدرة تتسّع إلى الكون كلّه، فكثيرا ما ينصح الواحد منّا صديقه الباحث عن معلومة: ” استعن بالشيخ “ڤوڤل” وهو اسم أحد المحرّكات المعاصرة.
ويقيني أنّ هذا الشيخ من أصل عربي ولي في ذلك حجّتان:
الأولى أنّ عبارة Arobat هي في الأصل عربية.
جاء في الأثر: ” يعود أصل الحرف الطباعي @ إلى رسالة من فرانسيسكو لوي وهو إيطالي مستقرّ في إشبيلية استعمل ذلك الحرف لاختصار الكلمة Arroba الإسبانية وهي وحدة الكيل الإسبانية المشتقّة بدورها من العربيّة “الرّبُع”.
والثانية هي ما ذهب إليه المغفور له العقيد معمّر القذافي من أنّ كثيرا من أعلام الغرب هم عرب ودليله على ذلك أنّ شكسبير هو في حقيقة الأمر والواقع “الشيخ زبير”…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى