فنون

أحمد الماجري كما لم أعرفه من قبل

كتب: عز الدين الباجي

قد تُغري الأعينُ بالألوان، وتأسِرها الأضواء، وتبهرها الشاشات العملاقة والديكورات المهيبة، لكن الفرح لا يُشترى، ولا يسكن القلوب إلا إذا خاطب الفن روح المتلقي قبل بصره.

فالميزانيات الضخمة قادرة على صنع فرجة تبهر العيون، لكنها عاجزة عن صناعة فرحة تنبض في الأرواح، لأن الإبهار البصري عابر، أما الإبهار العقلي والوجداني فباقٍ ما بقي الصدق في الفكرة والعمق في الرسالة.

القرب من الناس

وعروض الشارع أو فنونه لها أدواتها وتركيباتها الخاصة، فهي لا تستعير بريق المسارح المغلقة ولا بهرجة المهرجانات الرسمية، بل تراهن على قربها من الناس واندماجها في فضائهم اليومي. وعادة ما تتصدر الفرق الموسيقية النحاسية المشهد الملفت للانتباه، بما تحدثه من ضجيج وصخب يجذب العابرين ويجمعهم في حلقات تلقائية، حيث تتحول الأرصفة إلى مسارح، والمارة إلى جمهور، واللحظة العابرة إلى عرض حيّ نابض بالحياة. هناك، يصبح العبور وقوفًا، والفضول انتماءً، والخطوة المترددة إيقاعًا في رقصة جماعية.

سحر اللحظة المباشرة

وكذلك من عروض الشارع نجد الكرنفالات التي تلوّن الفضاء العام بخطواتها الراقصة وأزيائها الزاهية، وفرق الماجورات التي تجمع بين الانضباط العسكري والفرجة الفنية، فتتحول حركاتها المتناسقة وعصيها اللامعة إلى لغة بصرية خاصة. هذه العروض، وإن كانت في جوهرها احتفالية، فإنها تملك سحر اللحظة المباشرة، حيث يلتقي الفن بالجمهور دون حواجز، وتصبح الأرصفة والساحات مسارح مفتوحة لفرح عابر أو رسالة عميقة. وفي تلك اللحظة، يصبح الطريق كتابًا مفتوحًا، يقرأه كل عابر بلغته الخاصة.

حوار حيّ

وقد دُعيتُ بالأمس لحضور لون آخر من فنون الشارع، وهو العرض الذي قدّمه الفنان أحمد الماجري في إطار مهرجان “نسمات حلق الوادي”. كان الفضاء مفتوحًا على الميناء والبحر والسماء، والجمهور متنوعًا بين رواد المهرجان والمارة الذين شدّهم صوت الماجري وأسلوبه الخاص في المزج بين الإيقاعات الشعبية والنغمات الحديثة. لم يكن العرض مجرد أداء موسيقي، بل حوارًا حيًا بين الفنان والجمهور، حيث تتقاطع الألحان مع أصوات الموج ووقع الخطى، لتصنع لوحة سمعية وبصرية لا يمكن استنساخها في أي مسرح مغلق. كانت الأمسية مثل نغمة بحرية حرة، تتأرجح بين ملوحة الريح وحلاوة التصفيق.
كان عرضًا موسيقيًا مختلفًا عمّا عُرفت به فنون الشارع، والتي أشرتُ إلى بعضها في مقدمة مقالي. فقد جاءت الفرقة المصاحبة لأحمد الماجري بتشكيلة موسيقية تُعرف بـ”الكومبو” أو Western Band، حيث اجتمعت الآلات الغربية من غيتار كهربائي وكيبورد ودرامز وغيتار باص، مع آلات إيقاع عربية أضفت على العرض روحًا محلية نابضة، فكان المزج بين العوالم الموسيقية جزءًا من هوية العرض وروحه. كان الصوت جسراً بين ثقافتين، يعبره المستمعون بلا تأشيرة.

وجه آخر لأحمد الماجري

عرفتُ أحمد الماجري منذ زمن بعيد، وتابعت مسيرته التي وشمها بأنماط موسيقية تميّزه عن غيره. قد تختلف معه في بعض اختياراته، لكنك لا تملك إلا أن تحترمه. غير أنّ عرض الأمس كشف لي وجهًا آخر لهذا الفنان؛ وجه القائد الذي يمسك بخيوط اللحظة، فيحوّل مشهدًا توهّمته في بدايته مرسى لفوضى عارمة إلى بحر من الانضباط، وحلقة من الانسجام، ونبض جماعي يخفق على إيقاع واحد حتى انطفاء آخر نغمة.

ما يُحسب للفنان صلاح مصدق
غير أنّ الأهم في المشهد كان الحضور الركحي اللافت للفنان أحمد الماجري، الذي استطاع أن يفرض سيطرته على كامل الفضاء وهو يقف على منصة وسط الشارع. لم يكتفِ بالتأثير في الجمهور الجالس على الكراسي، بل جذب أيضًا جمهورًا من المارة الذين شكلوا حزامًا واسعًا حول منصة العرض، متفاعلين مع الفقرات الغنائية التي قدّمها، والتي لامست أذواقًا متعددة، وخاصة منها الأذواق الشبابية. وهنا يُحسب للمسرحي الفنان صلاح مصدق، مدير المهرجان، أنه نجح
ـ في اعتقادي ـ في هذا الاختيار الذي جعل من الجمهور عنصرًا مشاركًا في تلك اللحمة التي ميّزت ما شاهدته من حب وفرح وبهجة بين الحاضرين، لم أرَ لها مثيلًا في المسارح المغلقة.

شرارة تُشعل القلوب

في نهاية المطاف، قد تبني الأموال مسارح شامخة وتشتري أضواءً باهرة، لكنها لا تستطيع أن تشتري تلك الشرارة الخفية التي تشعل القلوب. فالفرحة الحقيقية لا تنبت إلا في تربة الصدق، ولا تسقيها إلا لحظات يلتقي فيها الفنان بجمهوره في فضاء واحد، يتقاسمون فيه النغمة والابتسامة والنبض ذاته. هناك، في صميم الشارع، يولد الفن الذي لا يبهت، والفرح الذي لا يذبل، لأن الأرصفة – أحيانًا – أصدق من الخشبات.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى