علمتني الصحافة..

كتب: صالح الحاجة
كانت الصحافة التونسية في النصف الأول من القرن العشرين قليلة الصفحات وخفيفة الوزن ولا يزيد محتواها عن افتتاحية وكمشة من الأخبار وبعض المقالات..
وعندما يفتح القارئ صفحاتها يجدها محشوة حشوا بحروف من رصاص كأنها حجارة أو ياجور او كنتول ..
وقد لا تحتوي احيانا الصحيفة الواحدة الا على افتتاحية مطولة تحتل الصفحة الاولى وبقيتها في الصفحة الثانية و ( هز يدك م الجريدة لا تتحر ق ) ..
اي أن الجريدة لا تزيد عن صفحة واحدة وجه وقفا والسلام ..
والمساحة كلها تستولي عليها الافتتاحية (الحجر) والمكتوبة بلغة الشنفرى او ابو لهب ..
ومن هنا جاء اعجاب الحبيب بورقيبة بالهادي العبيدي الملقب بـ (يقظان) ..رئيس تحرير جريدة الصباح..
لقد كان يقظان يكتب يوميا افتتاحية قصيرة بعنوان ‘صباح الخير’ لا تزيد عن عمود من أعمدة الجريدة ومكتوبة بلغة زيتونية سهلة ..وراقية …
وكان بورقيبة كثيرا ما يعبر عن اعجابه بهذه السانحة كما كان يسميها ..
كانت تثير اعجابه لانها قصيرة وسريعة الهضم ..
وبذلك يكون الهادي العبيدي أول من أحدث تغييرا جوهريا في الكتابة الصحفية في تونس ..
ثم جاء الصحفي الكبير حسن حمادة الذي كتب العديد من المقالات التي يدعو فيها إلى الإيجاز و الاختصار وعدم التطويل ..وكنت اقرا هذه المقالات بشغف واهتمام واعترف انها شاركت في تحديد اتجاهي في التحرير الصحفي ..
وانا رغم اللي انا جريدي لا اميل الى التخرنين اي لا احب التكعرير واكره التمجديق والترونيق والتنوفيق والتزويق والتزقزيق
ولعل أكبر درس علمتني اياه التجربة ان الناس ليس لديهم الوقت ليسمعوا منك الكلام الطويل المفصل المهلهل الممل …
انهم يريدون منك الصحيح والفصيح والصريح في جملة او جملتين و’شد دارك ولسانك’…
انهم يطلبون منك بإلحاح أن” تقول لهم على اللي يوجع فيك ” والسلام …قل كلمتك وامش …اما التجغجيغ فإنه مرفوض مرفوض ياولدي… ولكن للاسف الشديد بعض الصحف و الإذاعات والتلفزات لا تدرك ذلك …وتصر على تعذيب الناس بالكلام الثقيل الممل المعاد المكرر …
قال أحدهم : هل تعرف لماذا كلامكم ‘ماسط’ يا عرب ؟..على خاطر اللي تقولوه تعاودوه ..




