فنون

Seint Levant والكراسي البلاستيكية في خدمة القضية الفلسطينية

كتب: عز الدين الباجي

أثار العرض الذي قدّمه الشاب سان لوفان على ركح الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان قرطاج الدولي كثيرًا من الضجيج، لا لفرادة العرض أو عمقه الفنّي…

بل لأن صاحبه لم يتجاوز بعدُ عتبة البدايات، بحسب ما صرّح به بنفسه وهو جالسٌ على كرسي بلاستيكي فوق ركح المسرح الأثري، في مشهد لم يخلُ من رمزية عبثية لها ما بعدها.

تجربة لا تتجاوز 3 سنوات!

ولم يتردّد الشاب في الإعلان ـ بكلّ خفّة ظلّ أو ثقل وعي ـ عن أن تجربته الفنّية لا تتجاوز ثلاث سنوات، مشيرًا إلى أنه ‘ليس نانسي عجرم’، على حدّ تعبيره. وهي مقارنة غريبة عجيبة، لا تفتح أبواب المقارنة بقدر ما تثير التساؤل: هل قصد أنه لم يبلغ من العمر الفنّي ما بلغته نانسي؟ أم أنه ـ رغم حداثة سنّه الفنّي ـ استطاع أن يملأ مدارج المسرح العتيق بجمهور غفير، كما تفعل صاحبة التجربة الممتدة منذ أكثر من عقدين؟

علاقة مرتبكة

وسواء أكان يقارن نفسه بالعُمر الفنّي أو بثقل الاسم الجماهيري، فإن المسألة لا تقف عند حدود ملء المدارج، بل في طبيعة العرض ومستواه، في فكرته ومضمونه، وفي ما قدّمه للذائقة وللذاكرة الفنية الوطنية. إذ إن الجلوس على كرسي بلاستيكي في مسرح يُعدّ من أعرق المسارح الرومانية في العالم، يُصبح فعلاً ذا دلالة، ويختزل ـ ربما من حيث لا يدري ـ العلاقة المرتبكة بين المقدّس الفنّي والممارسات الترفيهية المستسهلة.

لفتة ‘مُزلزلة’

وقد استعمل الكرسي لا للجلوس فحسب، بل لأغراض أخرى أيضًا… إذ حطّمه على الخشبة في لحظة غضب ثوريّ استعراضيّ، أو هكذا أراد لها أن تكون. حركة أراد بها أن يُعبّر عن حدة الموقف، فارتعدت ـ في الخيال طبعًا ـ مفاصل العدو الصهيوني، وتوقّفت طائرات الاحتلال عن القصف، احترامًا لتلك اللفتة “المُزلزِلة” على ركح قرطاج!

مشهد عبثي

مشهد عبثي اختلط فيه الأداء المرتبك بالنوايا الحسنة، وانتهى إلى ما يشبه تحطيم الكرسي بدل تحطيم الصمت، وكأن التعبير عن التضامن صار مرادفًا للعنف الرمزي ضد البلاستيك، لا ضدّ الظلم الحقيقي.
وهنا بالذات، يُرفع الستار عن الطبقة الثانية من المشهد: فلسطين. فالعرض، الذي لم يكن عرضًا فنّيًا خالصًا، ارتدى فجأة وشاح القضية الفلسطينية، وكأن رائحة البارود في غزة قد تُكفّر عن ضعف النصوص ورداءة الموسيقى وهشاشة الأداء.
فلسطين، تلك الجرح الذي لا يندمل، صارت للأسف يافطة مريحة لدى البعض، يرفعونها عند الحاجة لتزيين العروض الضعيفة، أو لمنحها طابعًا “مُلتزمًا” زائفًا. فيتحوّل النضال إلى صورة، والمقاومة إلى فقرة، والشعب الجريح إلى عنوان جانبي في كرّاس البرنامج.
الدفاع عن القضايا العادلة، وعلى رأسها فلسطين، لا يكون بالكراسي المحطّمة، ولا بالتصفيق الحماسي العابر، بل بالتزام جمالي وفكري وأخلاقي عميق، يُترجم فنيًّا لا عبر الكلمات المستهلكة، بل عبر مواقف جمالية تنتصر للكرامة وتعرّي الزيف.

فرصة ذهبية عبر صدفة فنية!

في الأثناء، تمتع سان لوفان بفرصة ذهبية لا تُمنح لكثيرين: الوقوف على ركح قرطاج العظيم. فرصة أهدتها له صدفة فنية، تشبه في رمزيتها تلك الصدفة التي أهدت المنصب الوزاري لمن لا علاقة لها بتدبير الشأن الثقافي، لا رؤيويًّا ولا ميدانيًّا. فكما صعد هو الركح دون تاريخ، صعدت هي الكرسي دون مشروع.
وهكذا، وبين كرسي بلاستيكي مكسور على الركح، وكرسي وزاري هشّ في الوزارة، يضيع المعنى… وتُرفع الراية… لكن في الاتجاه الخطأ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى