غازي العيادي: مسيرة ومسار باختصار

كتب: عز الدين الباجي
خمسة وثلاثون عامًا انقضت على تلك الليلة التي احتضن فيها مهرجان قرطاج الدور النهائي لبرنامج نجوم الغد، ذلك المشروع الفني الرائد الذي أشرف عليه المايسترو الكبير، والموسيقي الفذ، وعلَم من أعلام تونس، أستاذي المرحوم عبد الحميد بلعلجية.
كانت ليلةً صيفية منعشة، بنسمات قرطاجية عابقة، زادها رونقًا ذلك الجمهور الغفير الذي تقاطر من كل حدب، ليكون شاهدًا على ولادة نجم جديد، تلألأ في سماء أرض عليسة، كأنما التاريخ نفسه حضر ليُدوِّن لحظة المجد بأوتار من نور.
اعتلى ذلك الشاب الركح بعد تقديمه، وتقدّم نحو المصدح بثباتٍ مدهش، واثقَ الخطوة يمشي مَلِكًا، كما قالت السيدة أم كلثوم، كأنما المسرح خُلق له، أو خُلق هو ليُحْيي ذاكرة المسرح.
تحدي مضاعف
وقد اختار لذلك الموعد النهائي أغنية طربية مكاوية ـ نسبةً إلى الموسيقار الكبير سيد مكاوي ـ من ذلك النوع الذي لا يتجرأ على أدائه إلا من امتلك القدرة على تفكيك أسرار مقام النهاوند، والتحكّم في مداراته التعبيرية. وكان التحدي مضاعفًا، فاللجنة كانت تضم نخبة من أعلام الموسيقى والكلمة والنقد، أذكر منهم شيخ الموسيقيين محمد التريكي، والمطرب والملحن الهادي الجويني، والدكتور الشاعر نور الدين صمود، والموسيقار محمد رضا، والصحفي القدير حسن بن أحمد…
وُلد ليغني
وحياتك يا حبيبي… تلك كانت الأغنية التي اقتحم بها المتسابق الشاب، غازي العيادي، الميدان، وسط كوكبة من الأصوات الحالمة بالنجاح والانعتاق من الظل. غنّى غازي وكأن الدنيا بين يديه، بثقة لا يملكها إلا من وُلد ليغني. لم يرعبه ذلك الفضاء الرهيب، ولا ركح قرطاج الذي اعتلاه عمالقة الغناء من مطربين ومطربات، ولا لجنة التحكيم الصارمة، ولا حتى ذلك الجمهور الذوّاق، الذي تربّى على جواهر الفن الأصيل.
أدّى غازي تلك الأغنية باقتدارٍ لافت، فتماهى معه الجمهور منذ المقاطع الأولى، وصفّق طويلاً بعد كل جملة لحنية كأنّه يشجّعه على المضي قُدُمًا. وعند انتهاء الأداء، ودّعه الحاضرون بمعزوفةٍ من التصفيق الحار، احتفاءً بفنّه وإعجابًا بجرأته، وكأنّهم يوشّحونه بلقب النجومية قبل أن يغادر الركح.
الجائزة الأولى
ثم جاءت لحظة الإعلان عن النتيجة النهائية… فإذا بغازي قد غزا، فعلاً، بحنجرته الفذّة كل الأصوات التي نافسته، وتفوّق عليها بكل استحقاق، متصدرًا المشهد بنيل الجائزة الأولى.
وقد كانت تلك الليلة الحالمة، بحق، ليلة انتصار للفن الصادق، ولصوتٍ وُلد ليُسمع.
وهل اكتفى صاحبُنا من الغزو والغنيمة؟ كلا، لم يكتفِ… فقد عاد في الصائفة الموالية، سنة 1991، فارسًا متسابقًا على ركح مسرح الهواء الطلق ببوقرنين، يواجه جمهور حمام الأنف، ذلك الجمهور العارف، الصعب، الذي يهابه كل فنان يحترم فنه، ويعتبر رضاءه شهادةً لا تُمنح إلا لمن امتلك ناصية الأداء وسحر الحضور. فمن نال إعجاب هذا الجمهور، فقد عبر بوابة الشرعية الفنية حقًا.
دخل الغازي، غازي العيادي، ساحة الطرب من جديد، وكأنّ اسمه قد كتب له قدرًا لا ينفصل عن الغزو الفني. دخل واثقًا، مؤمنًا أن ركح بوقرنين، وجمهوره الصارم، لا يقبلان أنصاف الحلول. وقد تسلّح هذه المرة بأغنية من عيار ثقيل لجنرال الموسيقى العربية محمد عبد الوهاب: فين طريقك فين…
أغنية تنتمي إلى مدرسة مختلفة تمامًا عن شيخ الطرب الشعبي سيد مكاوي، تتطلّب رهافة الأداء، واتزان المقامات، وسيطرة تامة على النفس الموسيقي الداخلي.
ومرّةً أخرى، يثبت الغازي أنّه لا يترك ساحة إلا وغنم فيها النصر، إذ توّج بالجائزة الأولى في مهرجان المغرب العربي، تقديرًا لأدائه المتفرّد.
جائزة منحتها له لجنة تحكيم مختلفة عن تلك التي كانت في مهرجان قرطاج، لكنها لا تقلّ عنها قيمة وخبرة، إذ ضمّت أسماءً لامعة في المشهد الموسيقي التونسي، من بينهم الفنان نور الدين الخروبي، والملحّن القدير حمادي بن عثمان، والموسيقار الشاذلي أنور، أحد أعمدة التلحين التونسي، والشاعر رضا الخويني، صاحب الكلمة الملتزمة واللحن الرفيع.
عرف طريقه منذ البدايات
وهكذا انطلق نجم غازي العيادي، متلألئًا في سماء الأغنية التونسية، يسطع بثبات من عرف طريقه منذ البدايات. وكيف لا، وهو الموسيقي المتمكّن، العارف بأسرار النغم وأصول المقام، فقد كان عازفًا على آلة الناي، تلك الآلة الشفافة التي لا تُطاوع إلا من امتلك حسًّا مرهفًا، وأذنًا موسيقية لا تخطئ حتى طنين الذبابة.
وفي سنة 1995، كان لي شرف التعامل المباشر مع المطرب الأنيق، الرقيق، غازي العيادي، في إحدى الحفلات الكبرى التي تولّيت تنظيمها بقبة المنزه.
كان نجمًا من نجوم تلك الليلة الخريفية من شهر نوفمبر، ضمن برنامج فني شارك فيه أيضًا الفنان القدير عدنان الشواشي، في واحدة من أولى التظاهرات الغنائية التونسية التي احتضنتها تلك القاعة الأسطورية.
وهكذا، أصبح غازي من بين أوائل الفنانين التونسيين الذين اعتلوا ركح قبة المنزه، الفضاء الذي دوّى فيه صوت كوكب الشرق أم كلثوم، والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، والمطربة شهرزاد، وفهد بلان، ومحمد العزبي… مكانٌ محفوف بالهيبة والتاريخ، لا يصعده إلا من كان صوته على قدر الحلم.
سهرة طربية وجدانية
وبعد مرور خمسة وثلاثين عامًا على بداية المسيرة، اعتلى غازي ركح مهرجان الحمامات الدولي في دورته الحالية، كنجم تونسي قادم من زمن كانت فيه للكلمة المغنّاة قيمة، وللحن الشجي صولة.
متسلّحًا بخبرة السنين التي صقلت موهبته، قدّم سهرة طربية وجدانية من عوالم ألف ليلة وليلة.
احتفى به جمهور الحمامات كمطرب لم يخن الذوق، ولم يبتذل الكلمة، ولم يشوّه اللحن.
فكان النجاح المنقطع النظير جائزته الكبرى هذه المرّة: وشاحًا معنويًا وشّحه به الجمهور، ووسمًا مضيئًا على صدر مسيرةٍ فنيةٍ ناجحة بكل مقاييس الجودة والوفاء للأصل.




