فنون

زياد الرحباني..فيلسوف الموسيقى الذي عزف غضبه..

كتب: عز الدين الباجي

رحل زياد الرحباني، ورحلت معه عبقرية البوح لحناً وكلمة وموقفاً.

رحل ذلك الذي لم يكتف بأن يكون ابن الأسطورة، بل صار أسطورة تخرج عن النص وتكسر السياق، وتعزف لحنها الخاص على وترٍ مشدود بين الصدق والتمرّد.
ولد زياد من رحم الفيروز، لكنه ما لبث أن مشى على درب الحصى وحده، حافي القلب، لا يطلب تصفيقاً ولا يتودّد للمنابر. كان يعرف منذ البدء أن الصدق مُوجع، لكنه أكثر خلوداً من المديح. فمضى يعزف آلامه كمن يُربّي جرحاً في قلب بيانو، ويُربّي وعياً في قلب شعب.

لغة ثالثة

لم يكن زياد مجرد ملحن. كان لغة ثالثة بين النوتة والكلمة، بين التنهد والهُتاف. كانت موسيقاه تمشي على جمر الوجدان، تُفكّك الزمن السياسي والوجداني وتعيد تركيبه بنغمات لا تشبه إلاّ تمرده.
في مسرحه، كانت الضحكة مشرطًا، والممثل مرايا مكسورة تعكس وجوهنا المخبّأة خلف الأقنعة.
وفي موسيقاه، لم تكن النغمة للزينة، بل للعراك والافتضاح.
وفي كلماته، كان الحب موقفًا لا ترفًا، وكانت السياسة صرخة لا صفقة.

“كيفك إنت؟”

غنّت له فيروز، فكانت الحنجرة تطارد المعنى، وكان اللحن يقود الكلمات إلى حيث لا خداع ولا تجميل.
غنّت له: “كيفك إنت؟”، فشعر العشاق أن السؤال لم يكن عن الحبيب، بل عن الوطن، عن الإنسان، عن الكرامة التي نكسرها كل يوم ثم نبكيها ليلاً.
ما باع صوته للسلطة، ولا موّه أفكاره تحت طلاء الترفيه.
كان واضحًا، مؤلمًا، كمن يقول ما يجب أن يُقال بصوت جهوريّ، حتى لو صُمّت الآذان.
كان في كلماته يسخر من القبح ليُظهره، وفي موسيقاه يُبشّر بجمال لا يقبل التسويات.
وإن كان لبنان موطنك، يا زياد، فالبلاد العربية كلّها احتضنتك في صوت فيروز، وفي دمعة المثقّف، وفي ضحكة المواطن الذي كان يرى فيك مجازًا عنه… مجازًا عن الفقد، والخذلان، والمقاومة بالجمال.
رحلت يا زياد، لكن أيّ فيلسوف يرحل حقًا؟
أمثالك لا يغيبون، لأنهم لم يكونوا جسدًا بل أثرًا.
كل كلمة قلتها، كل مقام، كل وقفة صمت بين نغمتين… صارت جزءًا من الوجدان العربي، من الحنين المستحيل، من اللحن الذي لا يموت.

وسلِّملي عليه…

سلِّملي على عاصي الذي علّم النغمة أن تتكئ على شجرة أرز وتبكي، وعلى منصور الذي طوّع الكلمات لتغنّي للحقل وللخوف وللقمر، على وديع صوت جبل لبنان والصافي صفاء القلوب النقية.
سلِّملي على عبد الوهاب، على وقاره حين كان اللحن يتطهّر في محراب المقام، وعلى فريد، ذاك المتصوّف الذي جعل العود يبكي كما لم تبكِ أمّ على غائب.
سلّملي على الذين مضوا وبقيت موسيقاهم خيمةً تستر انكساراتنا، وسراجًا نعلّقه على جدران الذاكرة حين يخيّم الصمت الطويل.
“فالموت يغتال الجسد، لكنه يعجز عن اغتيال الفكرة.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى