صالون الصريح

عادل يوسف…لم يكن صوتا فقط، بل ذاكرة جيل..

amer bouazza
كتب: عامر بوعزة

في رحيل الإذاعي الكبير عادل يوسف عادت إلى الأذهان صورة الإذاعة التي عرفناها منذ أكثر من نصف قرن وكبرنا معها، صورة المذياع الخشبي العتيق في بيت الجلوس أو غرفة النوم أو فوق رفّ خشبي في مقهى شعبي…

ذلك الصندوق بستان رائع من الأصوات الجميلة التي تركت في النفس أثرا لا يمحى، إنه الإذاعة بكل مجدها وعنفوانها: مرآة عصر مضى.

قدرة الصوت

الصوت هنا يتجاوز حدود الألفاظ التي يقولها ليولد معاني أخرى تحفّ بها، لقد درج البلاغيون على دراسة اللفظ وعلاقته بالمعنى، وها إننا نكتشف الآن قدرة الصوت الذي يحمل العبارات والجمل والنصوص إلى أسماعنا على إثارة المشاعر وإيقاظ السواكن.

طاقة تحرر الذكريات

للصوت القادم من زمن بعيد على أمواج الأثير طاقة تحرر الذكريات من عقالها وتطلقها في فضاء التخيل الرحب، ذلك هو صوت عادل يوسف اليوم إذا ما أردنا أن نميزه عن آلاف الأصوات التي تعج بها حياتنا المعاصرة. خيط من الضوء في الضوضاء والجلبة، صاف، نقي، دافئ، عميق، لا يمكن للغة وحدها أن تصفه وأن تنصفه.

من الأعماق

عادل يوسف، تحية الغروب، أمسيات رمضان في مختلف الفصول على مرّ السنين، مزيج من البهجة والظمأ، وتتهاطل الذكريات من كل صوب، الإذاعة التي تخاطبك كما لو كنت المستمع الوحيد الذي يصغي إليها بكل حواسه، الأدعية التي تخلب الروح قبل الأذان، الابتهالات، الأسمار، التمثيليات، المسرح الكلاسيكي، العاشرة احترام الجار، سهرات أم كلثوم، حشرجة الصوت على الموجة المتوسطة في ليالي الشتاء الطويلة، نداء يتصاعد من الأعماق ليأخذك على بساط الحنين إلى طفولتك الأولى التي تأبى أن تفارقك ولا تقوى على نسيانها…

ذاكرة جيل

لم يكن صوتا فقط، بل ذاكرة جيل، صورة كبيرة بالأسود والأبيض وتعرجات الرمادي لعصر كامل، صورة تتحرك فيها الأصداء لتعيد رسم الوقت الذي انساب من بين أصابعنا في غفلة منا.
الصوت المعتق في قبو السنين، يجعل اللفظ الواحد متعدد المعاني، بابا مشرعا على احتمالات شتى. وعندما يتناهى إلى سمعك قادما من شريط قديم كأنما تقف إزاء المرآة وتمنحه يدك ليأخذك عبر نفق طويل إلى زمن آخر. هناك تسترجع مشاعر وأحاسيس منسية، وتعصف في مخيلتك صور وذكريات شتى…
نحب عادل يوسف الصوت والزمن، بشكل مختلف، لأننا لا نرى الشيء ذاته عندما نقف أمام المرآة الواحدة، ونحن نودع إذ نودعه ذكرى جميلة وعلامة مضيئة في طريق الحياة الطويل، فهو لم يكن مجرد صوت جميل، بل فيضا من الأحاسيس ونهرا من الذكريات لم نسبح فيه مرتين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى