محسن الرايس…الشاب الذي أربك الزمن..

كتب: عز الدين الباجي
محسن رايس، ذلك الشاب الذي بلغ التسعين من العمر، فظل شابًا نشطًا يافعًا، كأن الزمن انحنى له إجلالًا، ومرّ من أمامه دون أن يترك على ملامحه أثر تعب أو انحناء…
في حضرته لا تُقاس الأعمار بالسنين، بل بالحضور، بالحيوية، و اللمسة التي لا تزال تعزف على الحياة نغمتها الخاصة. هو ابن اللحظة الدائمة، وسليل زمنٍ لا يشيخ، يشعّ حضوره كما لو كان العود الذي يحمله: كلما تقادم، ازداد نغمه عذوبة…
خارج التقويم
وإذا سألتني منذ متى أعرفه، سأقول لك: ربما سمعته يغني وأنا في بطن أمي. فمنذ كانت الأجنّة تصغي لنبض الحياة، كان صوته ينساب في الأثير كوشم أبدي على جدار الذاكرة. هو لا يُعرف بمرحلة، ولا يُؤرّخ بعقد أو زمن، لأنه ببساطة خارج التقويم…
لا تفتّش عن بدايته في دفتر الأيام، فقد بدأ قبلها، ولا تبحث عن نهايته في أرشيف الزمن، فهو مستمرّ ما استمرّ العود في التّنفس.
نقيّ القلب والسريرة، لا عداوات له، بل على العكس تمامًا، كل الدنيا تحبّه. كأنه خُلق ليكون ضيفًا عزيزًا على كل القلوب، ورفيقًا خفيفًا في كل المجالس. لا يحمل في صدره إلا المحبة، ولا يوزّع سوى الفرح. إذا مرّ، ابتسم له الشارع، وإن جلس، ارتاحت الأرواح من حوله. لا يعرف المكر ولا المواربة، فصراحته محببة، وطيبته ليست ضعفًا، بل قوّة من اختار الصفاء نهجًا، والبساطة مذهبًا.
فرض حضوره
اختار لنفسه لونًا موسيقيًا شبابيًا منذ وطأت قدماه الساحة الفنية، واختطف الأضواء في زمن كان من الصعب أن يوجد فيه موطئ قدم بين الكبار. لكنه لم ينافسهم، بل جاورهم بأدبه، وفرض حضوره بلطفه، وفرض اسمه بموهبته. غنّى للحب، وللحياة، وللناس، فغنّت له الذاكرة.
محسن رايس لا يُشبه أحدًا، لأنه اختار أن يُشبه نفسه… وتلك قمة الفرادة.




